النماذج الجديدة والحدود المفتوحة: مكيدة إسرائيلية جديدة!

النماذج الجديدة والحدود المفتوحة: مكيدة إسرائيلية جديدة!

طلال أبو ركبة

تزداد الصورة في المشهد الفلسطيني قتامة يوما تلو الآخر، ولا سيّما في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، التي أكدت استمرارية انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف، وفوز بنيامين نتنياهو بفترة ولاية خامسة. إعادة انتخاب نتنياهو جاءت لتخدم مسعاه في استكمال دوره التاريخي في تصفية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر متوالية النقاط التي نجح في تسجليها خلال فترات حكمه السابقة منذ العام 1996، مستفيدا هذه المرة من تماهي الإدارة الأميركية اللامحدود مع تطلعاته، وخصوصا على ضوء ما يرشح إعلاميا عن مقاربات جديدة لإنهاء الصراع ضمن صفقة القرن.

 يعي المتابع لمسيرة التسوية منذ انطلاقها في العقد الأخير من القرن الماضي، أن المساعي الإسرائيلية لفرض تسوية على الفلسطينيين، كانت انتقائية تستهدف أساسا؛ تحقيق مصالحها على حساب الحقوق الفلسطينية.

طلال أبو ركبة

أساس هذه التسوية يعود إلى ادعاء إسرائيل أن الأرض التي استحوذت عليها في سنة 1967، لم تكن خاضعة قبل ذلك لسيادة معترف بها، الأمر الذي يعني أنه لا يمكن اعتبارها محتلة من إسرائيل، وإنما هي أرض متنازع عليها، أي أن لإسرائيل الحق في التصرف فيها. بُني هذا التصرف على قاعدة عدم التعامل مع الأرض كوحدة واحدة، بل تفتيتها إلى ثلاثة أقسام، لكل واحد منها رؤية ومعاملة إسرائيلية خاصة به، بهذه الطريقة تم ضمُّ القدس قسرا وجاري العمل على قدم وساق لتهويدها. أما قطاع غزة فلقد تم عزله بهدف إخراجه من سياقه الوطني عبر الخطوة الدراماتيكية بالانسحاب أحادي الجانب وما تلاها من حصار باعتباره كيانا معاديا، وإعطاء إشارات بالموافقة على أن يكون القطاع الدولة الفلسطينية. أما الضفة الغربية فالتوجه الإسرائيلي واضح في ما يتعلق بتعويم سيادة تستأثر فيها إسرائيل بحصة الأسد من خلال سياسة الأمر الواقع التي تفرضها عبر الاستيطان والجدار العازل والطرق الالتفافية.

تُعد الضفة الغربية المعضلة الحقيقة أمام إسرائيل باعتبارها الهدف الرئيس لجمهور اليمين والمستوطنين في إسرائيل، خصوصا أن جميع السياسات الإسرائيلية غير قانونية وتفتقد لشرعية القانون الدولي فيها. الخطوات الإسرائيلية المتوقعة خلال الفترة الخامسة لنتنياهو، مرتبطة بما يمكن أن نطلق عليه "توطين المستوطنات" أو قوْنَنة الاستيطان في الضفة الغربية، وهو ما يرشح بين الحين والآخر حول ضم المنطقة C والتي تشكل 60% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، وهذا ما أشار إليه نتنياهو نفسه في العام 2017، خلال احتفالية حكومة بريطانيا في معهد "تشاتهام هاوس" بمئوية وعد بلفور حين قال: "يتوجب التفكير في نماذج جديدة للسيادة الفلسطينية على الأرض بما فيها الحدود المفتوحة (...) كما يتوجب القيام بحل سلمي يضمن بقاء المستوطنين في بيوتهم".

النماذج الجديدة والحدود المفتوحة مكيدة إسرائيلية جديدة تقوم على مقاربات جديدة تُشرعن من خلالها المستوطنات في الضفة الغربية، وتتطابق كليا مع ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنه لا بد من مقاربات جديدة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بدلا من المقاربات القديمة التي كانت تقوم على قرارات الشرعية الدولية وخصوصا قرارَي مجلس الأمن 242 و338. نحن مقبلون على مقاربة جديدة تعطي إسرائيل مبتغاها من التسوية الانتقائية، وتشرعن مستوطناتها، كما شرّعنت أوسلو وجودها على فلسطين التاريخية، فالمقاربة الأميركية الجديدة للصراع في الشرق الأوسط، تقوم على التخلي عن فكرة أن صنع السلام يتطلب قيام العرب والإسرائيليين على حدّ السواء بتضحيات متبادلة، والقبول بصيغة تتضمن أن إسرائيل قوية بما فيه الكفاية لترفض تقديم أي تنازل.

إلا أن مقاربة الإدارة الأميركية تواجه حتى الآن معضلة عدم التجاوب الفلسطيني معها، خصوصا في ضوء تشبُّث الرئيس الفلسطيني، برفض مطلق وكلّيّ لصفقة القرن، وقطع علاقاته واتصالاته مع الإدارة الأميركية منذ إعلانها القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، وتهديده بوقف التنسيق الأمني وسحب الاعتراف بإسرائيل، استجابة لقرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2018.

دفع الرفض الفلسطيني، الإدارة الأميركية، للتفكير في استعادة ما فعلته في العراق وأفغانستان في مطلع الألفية الحالية، وذلك عقب تدمير كلتا الدولتين، وتحضير قيادات تابعة تمرر لها سياساتها في البلدين مثل نظام كرازي في أفغانستان، وعلوني في العراق، فعلى هذا النهج بدأت الإدارة الأميركية في التعاطي مع الرفض الفلسطيني، بحسب ما نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في 19/4/2019،  "إلى جانب التهديدات بالكشف عن سرقة الأموال التي يقوم بها كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية في محاولة ابتزاز سياسي واضحة منها. يعمل ترامب وفريقه على إنشاء قيادة فلسطينية بديلة"، شبيهة بما حاولت إسرائيل فعله في روابط القرى في سبعينيات القرن الماضي، وهوما يتماشى مع الطرح الأميركي والرؤية الإسرائيلية لمستقبل الضفة الغربية، وهو ما أكده السفير الأميركي ديفيد فريدمان، خلال لقاء عُقد في القدس حول التعاون الاقتصادي في إشارة لإحدى الشخصيات الفلسطينية التي تتجاوب مع الطرح الأميركي: "أعتقد أننا سنرى الإسرائيليين والفلسطينيين يعيشون معا في سلام حقيقي، وليس سلامًا مزيفًا ينبع من الاتفاقات الورقية".

وهذا تقريبا يتوافق مع طرح عاموس غورين في مقالة "أسلوب قتال بديل" بصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بتاريخ 26/7/2001، والتي أشار فيها إلى تفكيك السلطة الفلسطينية من خلال تغذية صراعات داخلية، بمساعدة إسرائيلية إلى ثلاثة أو أربعة مناطق، منفصلة ومسيجة، تحكمها الجهات القوية في كل منطقة، بحيث يكون ممكنا مع هذه الجهات التوصل إلى اتفاقيات محلية، منفصلة وطويلة المدى.

فلسطينيا، ربما يُحاجج البعض بأن الإدارة الأميركية وإسرائيل لن تجدا أطرافا فلسطينيةً أو إقليميةً تتعاون معها لإيجاد سلطة جديدة بدلا من السلطة الفلسطينية إذا غابت، ولكن هذا الطرح بحاجة إلى مزيد من التمحيص، ففي أوضاع إقليمية مضطربة بالحروب والصراعات، فإن تعديل الحدود وإلغاء دول وإيجاد أخرى يصبح أمرا محتمل الحدوث. وتوجد العديد من الأطراف الفلسطينية حاضرة وعلى أُهبة الاستعداد لسد أي فراغ في حال تمنع السلطة عن التعاون، خصوصا مع الانقسام واحتدام الصراعات الداخلية وانهيار المنظومة الوطنية والقيمية.

يجب على القيادات الفلسطينية الاعتراف بالخطايا الجسيمة التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، والتي سمحت لإسرائيل بالتمادي، وللمجتمع الدولي بالتغاضي. وهذا يتطلب وبشكل فوري إجراء مراجعة نقدية، وإنجاز برنامج وطني موحد يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، ويعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية التي مزقها الانقسام على مذبح الغاية تبرر الوسيلة، فإذ بإسرائيل توظف الوسيلة منعا لتحقيق الغاية.

لقد آن الأوان لإجراء معالجة فورية لإستراتيجيات الفعل الفلسطيني، والأدوات التي يمكن توظيفها في مواجهة موجة الاقتلاع الثاني للشعب الفلسطيني بعد الموجة الكبرى في أربعينيات القرن الماضي، وذلك قبل فوات ألأوان!


طلال أبو ركبة: محلل سياسي في شبكة السياسات الفلسطينية - الشبكة.

اقرأ/ي أيضًا | أسرُ 50 ألف قاصر فلسطيني منذ عام 1967