كُنْ مَن أنتَ فأنتَ أخي..!

كُنْ مَن أنتَ فأنتَ أخي..!

أهدي مقالي هذا إلى كلّ الإخوة من أهل القلم حيثما كانوا في أصقاع الأرض، على رجاء أن تزهر أقلامهم دائمًا بما يجمع  الناس كلّهم من أبناء الوطن الواحد على الألفة والمودّة ومناهضة العنصريّة في هذا العالم.

يا أخي بالله والوطن والعروبة والإنسانيّة! ما هذه الموائد التي تلقي أرغفتها من فوق منابرك على الجياع من الناس، ليخرج من بين يديك لطعمها جيش من العميان يضربون الناس على عقائدهم حيث يوجعهم، وعلى شرفهم حيث يدميهم، وعلى وطنهم حيث يروّعهم ! قُلْ لي، وما هذه النار التي تنفثها من فمك، لتحملها الرياح المجنونة إلى الحقول اليابسة من الشّباب، وإلى ذلك الهشيم الهشّ من هذا الجيل الضائع في الصحراء.

أهذا هو المصباح الذي وضعه الله في يدك، كي تؤجّج نارًا بين الناس لا نورًا ، وتوقظ حربًا لا سلامًا. أنسيتَ مَن "أكرمُكم عند الله"، وجهلتَ ما ذيّاك الفرق بين العربيّ والأعجميّ في الأرض. أهذي  هي المناقب والفضائل التي أوصاك بها ابن الذبيحين، سلام الله عليه، في الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وبذل النّدى ودفع الأذى عن ذوي الرحم والقربى، والّذين"  أقربهم مودّة للّذين آمنوا" من النّاس. ارفعْ يدك عنّي يا أخي، وانزعْ خنجرك من صدري. إنّ الذي تسفك كرامته بلسانك أخوك هو، سليل أمّك، وربيب أبيك، سقط من رحم وطنك الذي أرضعه من أثداء عيونه، وأطعمه من أيدي حقوله، وربّاه في أحضان كرومه حتّى بسقت آماله إلى السّماء بين غصونه البواسق.

أحقّـًا هذا الذي يعنيك يا أخي، بعد كلّ الذي نزل بنا من الزلازل والصواعق! وجيوش المغول وعساكرهم تحيط بنا من كلّ ناحية، وقد عبرت حدودنا من كل بوّابة، وتوغّلت مسافات عميقة في أعماق شرفنا، وحلّت في قلب عزّتنا، ووصلت إلى عقر كرامتنا. بعد أن طردتنا الأرض، وأوصدت السماء أبوابها في وجوهنا، وغدونا عراةً من كلّ أمجادنا، وقد فرّ مستقبلنا فرارًا من أمامنا، وتلك مصايرنا تبرّأت منّا وأنكرتنا، وقد هجرَتْنا حانقةً علينا، ولا ندري إلى أيّ موضع ذهبت في هذا العالم.

لقد جعلتُ نفسي طائرًا من طيور الأرض يومًا، ورحت أتلقّط حبّات الأفكار، وسنابل العقول في رؤوس النّاس، وللوقت عزفتُ عن الأكل، وطرت في الفضاء، إذ راعني أنّي ألفيتها رمالاً ساخنة، وصلصالاً حارًّا، لا يسدّ رمقًا، ولا يدفع جوعًا، فعرفتُ عندئذ علّة هذه المجاعة الآكلة الناس في العالم، ولماذا هذا الهزال الدائم في أجساد بني البشر. وما أعظم جنايتك إذ أراك رغم هذه المجاعة، وحاجة الناس إلى كسرة خبز واحدة تغذّي النفوس، وتشفي العقول من كلّ مرض، تُقبل علينا أنت يا أخي، وتدعو الناس إلى صحاف الموت على موائدك في المواعظ والخطب.

يا أخي! لقد سمعتُ التاريخ أمس، يقول لجماعة جاؤوا يستفتونه في أمرهم: إنّ مَن أراد أن يهلِك نفسه بالانتحار يومًا، فليذهبْ توًّا إلى العنصريّة حيثما كانت، ويمدّ يده إلى واحد من غصونها الدانية، وليأكلْ ثمرة من ثمراتها، ليموت من فوره، وتحمله إلى مدافنها الكثيرة التي أعدّتها لضحاياها منذ قيام العالم. لا تتعجّبوا، يقول التاريخ: حتّى الشعوب، والأمم التي فشا بين أبنائها هذا الطاعون، قد بادت واندثرت، وأنا نفسي وبأمّ عيني، شاهدتّ الأيّام وهي تحمل على أكتافها نعوشهم، وتلقيهم في التهلكة.

يا أخي! إنّها البغضاء، والشحناء، والانطواء في الأجحار. إنّها الحسد، والنّكَد، والكمَد في النفوس. إنها الموت الأخرس الذي يقيم في ضحيّته ولا تعلم به يومًا. يأكل، ويشرب من عقلها، ويمتصّ من روحها، حتىّ يذهب بها إلى الهلاك الأبديّ.

يا أخي! وإن كانت العنصريّة قد بعثت غبارها كثيفًا في أصقاع المعمورة، حتى حجبَتِ المحبةَ والأخوّة عن عيون الناس، فسبيلنا أن نطلق الرياح من أعنّتها إليها، لتردّها عنّا قبل مجيئها إلينا، وأن نغلق نوافذ نفوسنا، وأبواب عقولنا في وجهها، كيلا نختنق ونموت بما تلقي بيننا من نار وكِبريت.

أحقّـًا يا أخي أنّك تسعى لطردي وتشريدي. ألسنا شعبًا مطرودًا، والذي طردَنا واحد. أيصحّ أن يطرد المطرود أخًا له مطرودًا مثله، لأُطرَد مرّتين، والثانية شرٌّ من الأولى، حين يكون الجاني هذه المرّة من لحمي ودمي. أطريدٌ يَطرد، ومظلومٌ يَظلم، وذبيحٌ يَذبح، وقتيلٌ يَقتل. أحقـًا أنّك تراني في هذه الدّيار غريبًا بل طارئـًا، والوطن وطني ، والبلاد بلادي، وما كنتَ يومًا بأحسن منّي وفاءً بثراه، وأصدق إخلاصًا لترابه. وهل ُأريق دمك فوق ترابه قبل دمي. وهل فرّق السيف الفرنجيّ يومًا بين عنقك وعنقي. ألهذا الحدّ بلغتَ من التقوى والورع حتىّ تحرم عظامي أن تنام مع رفات آبائي وأجدادي في فراش التراب من الوطن الحبيب.

يا أخي ! ليس الدين قرعًا للنواقيس، ولا أذانًا في المساجد،  إلّـمْ تكن الكنائس مبنيّة في قلوبنا، والمساجد عامرة تحت أضلعنا ،وما الدّين عند الله إلاّ ما تصنع لله من الصّالحات الباقيات، في واحد من أبنائه على الأرض، حيث هو يقيم  فيهم: أن تكسو الله في العراة، وأن تطعمه في الجياع، وترحمه في المسحوقين، وتُؤويه في المطرودين، و"تحبّ لقريبك ما تحبه لنفسك"، ومنْذا يا أخي أقرب إليك منّي في هذا العالم.

كلّنا يا أخي أبناءٌ لله على الأرض، وإنّ أبناء الأب الواحد إخوة هم، وإن اختلفت ألوانهم، وتنوّعت أجناسهم، وتعدّدت دياناتهم. أيطيب للأب أن يسفك أحدُ أبنائه دمَ أخيه، أو يُلقيه في العراء مع المنكوبين في هذا العالم.

بلى، إنّ الله يغسل يديه من كل قول تردّه إليه، وتدعو فيه إلى قتلي وطردي. إنّك ساعة تقتلني لا تقتل أحدًا سواك ، وحين تستقوي عليّ فلا تشهد إلا على ضعفك..ويوم تطردني فلا تطرد إلاّ أخًا لك، لا تسامحني فلا تدلّ إلا على جهلك لدينك، تحسدني فلا يكون حسدك إلاّ نصيرًا لي عليك ،وإن كنتَ تعدّ غيابي ربحًا فاعلم أنّ ربحك أفدح خسارة لك. رباه إليك أضرع وأبتهل. سامحْ كلّ أولئك الذين لا يعرفون ماذا يفعلون في هذا العالم.

تعال يا أخي، وانظر معي إلى الله في خليقته، يوم أبدع جمالها عن قصد في تنوع أجناسها، وتعدّد أنواعها، وقد شاء أن يكون هذا التنوّع  وحده علة الخلق، وأسّ الإبداع في هذا العالم، إذ خلَقَنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، ولنعيش على التآلف والمحبّة، وليعطي كلّ واحد للآخرين ممّا وهبه الله من عطايا ومواهب. فالزهرة تبعث من شذاها، والكرمة تجود من عناقيدها، والأنهار تُغدق من ينابيعها، والزيتونة تسخو من حباتها، والنخلة تُلقي من رطبها، دون أجر وثمن. بربّك، هل رأيتَ الزهرة يومًا تحظر على جارتها أن تتنفّس من عطرها، وتعانق الأنسام بذراعيها. وهل سمعتَ نهرًا ينتهر نهرًا: إنّ البحر لي فلا تتكلمْ بخرير صدرك، ولا تبُحْ بهدير فؤادك. وهل رأيتَ القمر يزحف بالنجوم إلى الشّمس، ليطفئها قبل نزولها من فراشها عند الصبح إلى القمم. هل وجدتَّ بلبلاً يقف على منابر الأغصان، محرّضًا الفجرَ أن يطرد الحسّون من عرس الروابي والخمائل. هكذا دأبُ الإنسان على الأرض يا أخي، هاتِ ما عندك وخُذْ ما عندي. قُمِ اسقني من إنائك، وتعالَ اشربْ من كأسي، أعطني من خيراتك ومواهبك، وخذ ما شئتَ من خيراتي ومواهبي، فمِن عطائك يأتي أخذك، ومِن فرح الناس يزول حزنك، ومن غنى البشر يذهب فقرك. ليتك تعلم يا أخي، أنّ هذا وحده هو الناموس الأزليّ الذي به وقفتِ الحضارة على قدميها، وخرجت تسعى في أدغال الزمن منذ نشأة المسكونة!

يا أخي! كذلك خَلَقَنا الله لحكمة من لدُنْهُ ولرحمة بالبشريّة جمعاء، إذ جعل لنا ألسنة في أفواهنا، لتنطق بالحقّ والعدل، ولتبشّر بالمحبّة والسّلام ، لا لتنادي بالفتن والعداوات بين أبناء البشر، وقد خَلَقنا بأيد من أجل أن نعطي بها المحتاجين، لا لنضرب بها ونسرق الناس، وقد خَلَقنا بأرجل لكي نسعى بها إلى خير الناس، وخدمتهم، لا لنسعى بها إلى الشرّ والعدوان، وخَلَقنا بأعين لنرى الناس كلّهم إخوة أحبّاء لنا لا أبناء أممٍ أغيارًا لا نخالطهم، وقد خَلَقنا بقلوب تحت أضلعنا، لتكون ينابيع محبّة لكلّ الناس، لا ليكون كلّ منها خزّانًا تحت صدورنا للحقد والبغضاء، وقد خلقَنا بعقول، كي تكون مصابيح نيّرة في رؤوسنا، يشعّ منها الله بأفكارنا، فنرى بها الدرب جليّةً أمامنا في معرفة الحقّ ، والعمل الصالح، لا لتنكأ الجراح، وتوقد صدور الناس، وتحرضهم على ارتكاب الخطايا والآثام.

أعلمُ يا أخي أنّ ديانات من كلّ صنف، ومذاهبَ وعقائد سرّيّة من كلّ نوع، تأتينا كلّ يوم، مُحمّلةً بالبوارج من وراء البحار، مُغلّفةً بالصناديق ومُكدّسةً في الصّهاريج، ويُفرغ سماسرة الدين، والمرتزقة المأجورون منّا حمولتها في الموانئ، ويبيعون بها الوطن رخيصًا للسُذّج في الأسواق، كي نتلهّى بالصلوات لأديان مصنوعة غير أدياننا، فتتعدّد بهذا انتماءاتنا، وتتشعّب نزعاتنا، ولا ندري أيّها الأصحّ بينها، ولا يجمعنا بعدها جامع، لنختصم، ونستدعي الفتنة الفتيّة كي تعيش معنا ، فلا نرى عندئذ أعداءنا من خلف ظهورنا، يقفزون من فوق السياج إلى حظائرنا، ويمدّون أياديهم إلى خزائننا، ويشربون آبارنا، ويسلبون كرومنا، يعينهم على ذلك نواطيرنا، حتى نغدو أمّةً دون أوطان، وأوطانًا دون أمّة في هذا العالم.

من أجل هذا لم أعجب، يا أخي، يوم رأيت الأوطان وسمعتها غير مرّة تصرخ بحنق وغضب، وهي تمزق ثيابها، وتنبش شعرها وتحثو التراب على رأسها، وترفع يديها إلى السماء تدعو وتلعن كلّ كاهن، وقِسّيس، ومَطران وشيخ، ومرشد، وداعية، وإمام يلقي الفتنة بين الناس على الأرض في هذا العالم. إنّ الذي يفسد بين الناس في الأرض، ويخرج ليقرع بصلواته أبواب الله كلّ الوقت، ذلك تبقى صلواته ميتة في الأرض ، ولو صعد بها كلّ يوم ألف مرّة إلى السماء السابعة حيث طُغْمات الملائكة تحيط هناك بالعرش السرمديّ.

يا أخي وابن أمّي وأبي! إنّ أُخوّة أبناء شعبنا الحبيب لهي أنفس كنز نختزنه في نفوسنا، وأعظم ميراث نحتفظ به لأبنائنا، وأدلّ شاهد على محبّتنا لله في محبّة بعضنا بعضًا. إنّ أمّة تطأ بأقدامها فوق كنوزها النفيسة، ولا تصونها، أمّة عمياء بين الأمم، ومصيرها أن تسقط في الحفر، وتبتلعها الرمال في أعماق التيـه. قُلْ لي يا أخي، وماذا تكون نهاية شعب غير الهلاك إذا أصبحت أياديه تضربه، وأرجله ترفسه، وأظفاره تدميه، وأسنانه تأكله، وألسنته تشي به إلى الأعداء ، وقد استحال غابةً لطوائف تستنصر بالذئاب على بعضها، وتستأجر لهم من خلف البحار من يقتلونهم ،ويلقونهم في النّار التي لا تنطفئ.

يا أخي! لقد سقط العرب في الهاوية يوم سقطت العروبة من ألسنتهم، وأنتنتْ لغتهم في أفواههم، وغاب انتماؤهم عن قلوبهم بدسيسة الأسياد وراء البحار، لأنها وحدها الجامعة التي توحّدهم، وتصل بين ألسنتهم، ودياناتهم، وطوائفهم، وأقطارهم، وهي الرابطة المثلى، والعروة الوثقى التي سبقت الدين ونصرته، وتغذّت منه وأعزّته، وإنّ المستعمر ليرجو دائمًا أن يغيّبها عنّا كي يغيّب وحدتنا، وأُلفتنا، وعندي أن كلّ من يستبدلها يستبدل التّرياق النّافع بالسمّ النّاقع للعرب.

ابتسمْ يا أخي، وتعال كُلْ من لحمي! صافحْني وتعال اشربْ من دمي. ألقِ سيفك من فمك، وتعال أقطَعْ لك من كبدي. تعال نجعل لقاءنا العاجل هنا على الأرض، مِهرجان فرح دائم، وعرس مسرّة بالمحبّة والسلام والرحمة، قبل أن يقف الموت على الأبواب مناديًا هلموا إليّ، وتعالوا معي إلى ذلك السفر البعيد البعيد.

يا أخي أغمضْ عقلك قليلاً  ثم افتحْه جيّدًا، وانظر إليّ ترَ الذي أمامك أخاك الأقرب، لحمه من طين وطنك، وشعره من ليله، ودمه من أردنّه، وعلو قامته من جليله، وإيمانه من قدسه، حيث هناك يقف معك يصلّي إلى ربّ واحد، لا يقبل في ملكوته إلاّ الذين أحبّوه على الأرض، بمحبّة كلّ أبنائه دون فرق في هذا العالم.

                                                     كفرسميع-الجليل الأعلى                  

(كاتب المقال شاعر وأديب ومحاضر في اللغة العربية)