الانتخابات المعادة والحديث عن إحياء المشتركة

الانتخابات المعادة والحديث عن إحياء المشتركة

سليمان أبو إرشيد

بدون شك أن استطاعة حزب صغير يتألف من خمسة أعضاء كنيست، إجبار إسرائيل على خوض انتخابات عامة مرتين خلال أقل من شهرين، هو ليس فقط دليل على قوة من يقف على رأس هذا الحزب، أفيغدور ليبرمان، بل على هشاشة نظام الحكم الإسرائيلي أيضا.

ومن المفارقة أن ليبرمان، الذي قصر عمر حكومة بنيامين نتنياهو الرابعة، وأحبط تشكيل حكومته الخامسة، كان قد بدأ طريقه السياسي في "بلاط" نتنياهو، حيث تدرج معه من المنصب الحزبي (مدير عام الليكود) عام 1992 إلى المنصب الرسمي، مدير عام مكتب رئيس الحكومة، بعد فوز نتنياهو على شمعون بيرس في انتخابات عام 1996، وخرج من تحت مظلته عندما خاض الانتخابات في حزب "يسرائيل بيتينو"، وحصل على أربعة مقاعد، ليحصل على أول منصب وزاري بتسلمه حقيبة البنى التحتية في حكومة شارون.

إلا أن انتقال ليبرمان إلى مركز الثقل السياسي الإسرائيلي، كان عام 2009، عندما تسلم منصب وزير الخارجية في حكومة نتنياهو، بعد أن حصل حزبه على 15 عضو كنيست، كاسرا بذلك تابو إسرائيلي ودولي كان مفروضا على تلك الشاكلة من الأحزاب المغالية في التطرف، حيث كانت من هناك الطريق ممهدة أمامه لاحتلال حقيبة الأمن في الحكومة الأخيرة، وهو المنصب الذي استقال منه على خلفية خلاف مع نتنياهو في التعاطي مع التصعيد على حدود القطاع.

ليبرمان، الذي لوى ذراع نتنياهو عندما قصر عمر حكومته وقاده إلى انتخابات مبكرة، لم يكتف هذه المرة بأقل من رأس نتنياهو عندما وضع العقدة في منشار حكومته المتشكلة، ومنعها من الخروج إلى النور، ليحول الانتصار الانتخابي المدوي الذي حققه الأخير، إلى فشل ذريع، ويجر الساحة السياسية الإسرائيلية إلى معركة انتخابية جديدة، قبل أن تجف "دماء المعركة الأخيرة".

أما المفارقة الثانية، والتي تخصنا كعرب في هذه البلاد، فتكمن في أن ليبرمان، الذي لعب دورا حاسما في توحيد الأحزاب العربية وتشكيل القائمة المشتركة في انتخابات 2015، عندما قام بتشريع قانون رفع نسبة الحسم، هو من يعطي لتلك الأحزاب فرصة أخرى لتدارك خطأها وإعادة تشكيل القائمة المشتركة مجددا، بعد أن اعتقدنا أن موضوعها صار طي النسيان.

لقد بررت الأحزاب العربية تصويتها لصالح حل الكنيست وإجراء انتخابات جديدة، بادعاء أنها تريد إحياء المشتركة وزيادة تمثيلها في الكنيست القادمة، بعد أن هبطت من 13 إلى 10 مقاعد في الكنيست الحالية، إلا أن من ينظر بعين فاحصة لكواليس السياسة الإسرائيلية، يدرك أن قائمة "كاحول لافان"، التي كانت تنتظر تكليفها بتشكيل الحكومة، بعد فشل نتنياهو كزعيم للحزب والكتلة الأكبر في المهمة، لم تلتفت حتى باتجاه الأحزاب العربية، ولم تأخذها بالحسبان، علما بأن قائمة الجبهة والعربية للتغيير لم تصوت مع قانون حل الكنيست بالقراءة الأولى، وهو إمعان في النهج الذي ميزها خلال المعركة الانتخابية وبعدها، والذي يعتبر أصوات العرب غير شرعية ولا يجوز الاعتماد عليها حتى كجسم مانع.

وفي هذا السياق، فإن دعوة أيمن عودة للتحدث في مظاهرة تل أبيب بمبادرة من بيني غانتس، تعتبر استثناء سرعان ما تم استدراكه، بعد أن أثارت حفيظة يعالون، رغم محاولته التخفيف من وقعها بالقول إن أيمن عودة ليس باسل غطاس ولا حنين زعبي، ومن الخطأ اعتبار كل العرب "مخربين"، ويبدو أنه جرى إصلاح هذا الخطأ بإيفاد عوفر شيلح، وليس أي من "الرباعية"، إلى مؤتمر "نبني المعسكر"، الذي يعقد يوم الجمعة في تل أبيب بمشاركة آفي غباي وتمار زاندبرغ وأيمن عودة، وكلهم رؤساء أحزاب، وهو ما يشير إلى مدى الأهمية أو عدم الأهمية التي يوليها هذا الحزب لـ"معسكر السلام"، علما بأن مداخلات المؤتمر لا تلامس من قريب أو بعيد أي من القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية وعملية السلام.

وإذا كانت الانتخابات المعادة فرصة للأحزاب العربية لإصلاح أخطائها وإعادة بناء المشتركة كإطار انتخابي أثبت نجاعته في زيادة تمثيلهم في الكنيست، فإنه من المفضل عدم العودة للشعارات "الوطنية" و"القومية" و"الإستراتيجية" الكبيرة التي سرعان ما انكشف زيفها عند أول خلاف على الكراسي، ومصارحة الجمهور بأن الحديث عن تحالف انتخابي يبتغي زيادة التمثيل.

 كذلك، لا حاجة أيضا للتضحية بالاختلافات والنقاشات السياسية وما تنتجه من حراك جماهيري على مذبح التحالف الانتخابي المذكور، لأن موضوع النقاش والجدل السياسي لا يقل أهمية عن موضوع التحالف، وفي حال تسبب هذا الجدل بتفكيك المشتركة، نستطيع الادعاء أن التفكيك وقع على خلفية خلاف سياسي وليس على خلفية صراع على الكراسي.