الحقيقة والبرهان من خلط شعبان برمضان

الحقيقة والبرهان من خلط شعبان برمضان

سهيل كيوان

كثيرًا ما نسمع هذا التعبير الذي يطلب عدم خلط الأمور ببعضها البعض، وذلك كي لا يضيع الهدف الأساسي من الحوار، فيُقال، "أرجوك لا تخلط شعبان برمضان".

من الملاحظ أن الخلاف على بداية شهر الصيام وعيد الفطر أو الاتفاق عليهما، يتوازى مع الحالة السياسية السائدة، ففي زمن حكم جمال عبد الناصر ذي النفوذ القوي عربيًا وإسلاميًا وعالميًا، لم تكن هذه الخلافات لتظهر إلا نادرًا، فقد كان إعلان الأزهر عن يوم العيد كافيًا لجعل الأمة كلها في حالة عيد، ومن كان يختلف مع مصر، يجد نفسه معزولا، ولا يتبعه أحد.

احتدت الخلافات على بداية الصيام والعيد بعد اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، حيث حاول البعض عزل مصر بقيادة السادات عن محيطها العربي بتهمة خيانة الأمة، ثم ازدادت حدة الخلاف مع تنامي نفوذ كل من إيران الخميني من جهة، والسعودية، القوة المالية الصاعدة من جهة أخرى، وجاءت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 لتعمّق الشّقة، فانحاز العيد في سورية الأسد إلى إيران، بينما انحاز العيد في العراق إلى السعودية ومصر اللتين "دعمتاه" في حربه ضد إيران.

في الوقت ذاته، حاولت بعض قيادات ما سُميّ بجبهة الرفض، أن ترتدي ثوب قيادة الأمة، فراح كل منهم يفصّل هذا الرداء على مقاسه، فرأينا عراق صدام حسين يعلن العيد في يوم مختلف عن إعلان سورية الأسد، بينما خالف القذافي الجميع، فكان يقدم العيد يومين أو يؤخّره يومين، كي يكون فريدًا من نوعه ومتميّزًا بشكل كاريكاتوري.    

الحقيقة العلمية التي يعرفها الجميع، أن الهلال لا يظهر في اليوم الأول في العيد للعين المجردة إلا نادرًا وبالتلسكوب فقط، فالهلال إن ظهر لا يظهر في يومه الأول إلا لأربع دقائق ثم يختفي، وتلعب الظروف الجوية من غبار وإلى ما ذلك من ظواهر طبيعية دورًا مهمّا في الرؤية، وذلك أنه يكون في الظل بسبب وجوده على محور مستقيم بين الشمس والأرض.

لقد تطورت العلوم الفلكية جدًا، وبحسابات دقيقة ممكن معرفة بدايات الأشهر القمرية ونهاياتها، سواء تلك التي مضت منذ ألوف السنين أو تلك القادمة منها، وبدقة تصل إلى أقل من جزيء من الثانية، هذا ما دام النظام الشمسي مستمرًا، وما دامت البشرية مستمرة بإذن الله حتى القيامة.      

هذا يعني أنه ممكن استئجار خدمات محطات أرصاد دولية مثل وكالة (ناسا) أو غيرها وبأسعار مقبولة، وبمشاركة علماء مسلمين، علمًا بأن الأجهزة المتوفرة والعلماء لدى الدول الإسلامية تكفي للقيام بهذه المهمة، إلا أن الخلاف جوهري أكثر، ولا يتوقف عند سياسة المحاور الإقليمية فقط.  

الخلاف الأعمق برأيي، هو مواصلة التمسك بحرفية النص الدّيني، ومنع بل وتحريم الاجتهاد في النصوص، بمعنى أن التمسك برؤية الهلال بالعين المجردة دون اللجوء إلى الحسابات والتقنيات العلمية يهدف إلى الحؤول دون الوصول منها إلى الاجتهادات الأخرى، لأن الباب بعدها سيُفتح أمام الاجتهاد القياسي في القضايا الأخرى التي ستصل حتمًا إلى مكانة الحاكم، وشرعيته أو عدم شرعيته، الأمر الذي يشكل قلقا كبيرًا لهم، لأن النتيجة الحتمية للاجتهاد هي الوصول إلى ما هو أفضل لمصلحة الناس وإلى درء المفاسد، هذا يؤدي حتمًا إلى حياة مدنية وقوانين عصرية مختلفة، وستؤدي إلى المطالبة بأنظمة مختلفة جذريًا عن هذه التي تحكم معظم بلاد المسلمين في العصر الراهن.

الاجتهاد والحقائق العلمية هي عدو مبين للأنظمة، لهذا يصرّون على التمسك بحرفية النصوص، والبقاء على ما هم عليه خشية فتح أعين الناس على التغيير.

إذن فالقضية ليست سياسة خارجية ومحاور إقليمية فقط، بل هي أعمق، وتعني منع الاجتهادات والحطّ من قيمة العلوم والاكتشافات والاختراعات الحديثة.

بعد كل ما حدث من أخطاء جعلت منهم ومنا مادة للسخرية في أعين أنفسنا وفي أعين الأمم، لا أظن أن قادة المحاور على مختلف ألوانهم سيتعلمون الدرس ولن يتقبلوا فكرة علمنة بداية الشهر القمري بحسابات عصرية، لأن إبقاء الأمة متخلفة وفي حالة تخدير أفضل لهم.

المثير أن المسلمين قبل ألف ونيف من الأعوام كانوا يصومون ويفطرون موحّدين، بينما في عصر العلوم والتكنولوجيا وتنظيم الرحلات الترفيهية إلى الفضاء الخارجي يبقى مئات ملايين المسلمين رهائن  في صيامهم وعيدهم لمجموعة من الحكام الفاسدين، ومُصدري الفتاوى المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة سوى الإذعان لحكامهم، أو العقاب الشديد.                            

اقرأ/ي أيضًا | اسمحوا لنا أن نتفلسف...