البروفيسور جنرال...

البروفيسور جنرال...

سهيل كيوان

يشبه الإعلان عن النية في إقامة حزب لذوي الشهادات العليا من العرب لخوض انتخابات الكنيست القادمة، إنشاء حزب جديد من الجنرالات في الوسط اليهودي، فللجنرال هيبته هناك، وكبار السن يذكرون بداية حركة (شينوي) التي أسست بعد حرب 1973 مؤلفة من جنرالات وحققت نتائج طيبة.

عندنا لا يوجد جنرالات عسكريون، ولكن لدينا جنرالات في الساحة العلمية والأدبية، وهم أساتذة من مختلف القطاعات والمناطق والطوائف، يحترمهم مجتمعنا لإنجازاتهم الشخصية أولا، ثم إلى ما قدمه ويقدمه بعضهم في الفضاء العام، من أبحاث ودراسات وآراء، يدلون بها بين حين وآخر في وسائل الإعلام، أو في مؤتمرات بحثية تتعلق بالوضع السياسي والمعيشي للمواطنين العرب، وخصوصًا أولئك الذين لم يعزلوا أنفسهم عن الحيز العام، فرأيناهم على منصات عامة أو في مناسبات بادرت إليها الحركات والأحزاب الفاعلة على الساحة السياسية، فقدموا اجتهاداتهم كناقدين ناصحين تارة، وكمهاجمين بسياط من لهب مُحبِطين تارة أخرى.

طالب هؤلاء الأساتذة أن يكونوا جزءًا من القائمة المشتركة التي يدعو الجميع إلى إعادة تشكيلها قبيل الانتخابات.

أولا، أود أن ألفت نظر هؤلاء الأخوة أو بعضهم، بأن الهجوم على أعضاء الكنيست الموجودين والسابقين والتهديد ليس برنامج عمل، وهذا لن يُكسب هذه المجموعة شعبية، على العكس تمامًا، سوف يؤدي الهجوم على الأحزاب القائمة بصورة منهجية غير نقدية بناءة، إلى المزيد من ابتعاد الجمهور عن العمل السياسي في كافة وجوهه، وهذا لن يستثني أحدًا، وسوف يرتد إليهم هم أنفسهم أوّلا، فإن كثرة الهجوم على أعضاء الكنيست العرب ولجنة المتابعة أحدثت إرباكا لدى قطاع واسع من الجمهور غير المسيّس، الذي بات يرى بالقيادات العربية سببا لمشاكله، وصار الكثيرون منه يرددون ما يردده اليمين المتطرف، بأن أعضاء الكنيست العرب منشغلون بأنفسهم ومواقعهم، صحيح أن سياسة البعض أسهمت في هذا الانطباع، ولكن التعميم على الجميع دون توضيح المسؤول، غير منصف وفيه شيء من الخبث.        

يتحدث هؤلاء الأخوة عن أفكار إبداعية في جعبتهم، وهذا ممتاز، المشكلة التي تواجه الجميع هي التنفيذ، فما هي الأفكار الإبداعية للوصول إلى إلغاء قانون القومية العنصري أو بناء مدن عربية جديدة، ووقف التخطيط الديموغرافي العنصري، وهل توجد أفكار إبداعية في قضايا عينية مثل قضية طنطور؟ وما الحل الإبداعي الذي في جعبتهم لحل قضية العنف في مجتمعنا؟ ثم ما هو موقفهم من القضية الشاملة، قضيتنا كشعب عربي فلسطيني التي يسعى ترامب وبيبي (بنيامين نتنياهو) إلى محوها؟ هل لديهم رؤية واضحة في هذا الموضوع الأساسي الذي تتفرع عنه كل السياسات الحكومية؟ أم أنهم سينأون بأنفسهم عن هذه القضية الأساسية، بحجة حصر العمل في القضايا المدنية؟ وهل يمكن فصل السياسة من هنا حتى "صفقة القرن" عن القضايا المدنية؟    

إلى جانب هذا وكما يعلم الجميع، فإن عدم وجود أطر تنظيمية في الدول العربية أفشل ثورات أيّدتها الملايين في الشوارع، وهذا يعني ضرورة وجود الإطار التنظيمي كمرجعية لهذه المجموعة.

لسنا بصدد ثورة داخلية، لكننا نطمح إلى زرع الأمل في الجمهور، وإقناعه بقدرته على التأثير، لأن سرّ خموله في السنين الأخيرة هو اضمحلال الأمل، فالجمهور لن يشارك، ولن يلبي الدعوات الحارة، إلا إذا شعر بأن هناك أملا ينتظره، فكيف نزرع الأمل في هذه الجماهير؟   

تبقى التعابير والمصطلحات مثل "رؤية ثورية جذرية، ورؤية مستقبلية، ورؤية نقدية، والخروج من عنق الزجاجة، وتلبية احتياجات شعبنا اليومية، والتركيز على حقوقنا الإنسانية في وطننا"! وغيرها من تعابير، في إطارها الإنشائي، ما دامت لا تمنح الأمل، وهذا يحتاج إلى طرح واقعي قادر على إقناع أوسع الفئات، وهذا يحتاج إلى هدف واضح وطريق الوصول إليه، وبدون هذا التحديد يبقى العمل خبط عشواء، وحتمًا ينقلب إلى إحباط.

على هذه المجموعة أن تعقد مؤتمرًا تأسيسيًا وأن تبلور لنفسها برنامج عمل واضح تقدمه للجمهور.  

من ثم ممكن لهم أن يفاوضوا على مكانهم في قائمة مشتركة "إذا وجدت"، أو التفاوض على موقعهم مع هذا الحزب أو ذاك من الأحزاب العربية في حال عدم قيام قائمة مشتركة، كذلك لا أستثني تحالفهم مع حزب "ميرتس".

الجمهور العربي في حالة إرباك، لشكّه في عدم جدية التوجّه إلى قائمة مشتركة، كذلك هنالك سؤال سوف يحتد قريبًا حول الموقف من حزب "ميرتس"، الذي يعلن بأنه لا وجود لجبهة ديمقراطية عريضة في مواجهة الفاشية واليمين المتطرف من دون العرب، والسؤال، هل يَقصد حزب "ميرتس" إمكانية وجوده ضمن القائمة المشتركة مع القوائم العربية بلا استثناء، أم يقصد تحالفا مع حزب الجبهة والطيبي مستثنيا التجمع والإسلامية، أم يقصد تعزيز قوته لدى الجمهور العربي من خلال زيادة تمثيل العرب في أماكن مضمونة في قائمته؟ هذا سؤال يطرح كذلك على الجبهة بشكل خاص، إذا ما كانت تُفضل تحالفا مع "ميرتس" على مشتركة مع التجمع والإسلامية، لأن الجمع بين كل هذه الأطراف بعيد وصعب جدًا، وقد تجد نفسها أمام خيارين إذا ما دعتها "ميرتس" بجدية إلى تحالف.  

لا شك أن لـ"جنرالاتنا" دورًا مهمًا في بلورة الصورة العامة القادمة لنضال جماهيرنا، هذا إذا اتفقوا وشكلوا قائمة، وخصوصًا في قضايا التحالفات، أتمنى أن يقوموا بدورهم بدون أنانية ولا استعلاء، فالشهادات ليست ما ينقص الأحزاب والحركات المنخرطة في العمل السياسي، ولا البرامج، بل النوايا الحسنة والإيثار والعمل الوحدوي والقدرة على إيقاظ الجمهور من غفوته وإقناعه بقوته وقدرته على التأثير في مصيره.        

اقرأ/ي أيضًا | اسمحوا لنا أن نتفلسف...