محمد مرسي... شهيد الديمقراطية

محمد مرسي... شهيد الديمقراطية

رامي منصور

يُجرم كل من يتجاهل قضية استشهاد الرئيس المصري محمد مرسي لأي سبب كان، ويُجرم أيضًا، بحق الشهيد أساسًا، كل من يتعامل مع مرسي على أنه رئيس إخواني. فقيمة وفاته وهو أسير تنبع أساسًا من كونه أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا وليس لأنه إخواني، ولهذا السبب تحديدا نُعت بالشهيد وليس بالراحل مثلا.

ومناسبة هذا التوضيح، هو النقاش الذي أثير أمس في موقع "فيسبوك" بين رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، والشيخ كمال خطيب، بعد أن عزّى بركة بوفاة الرئيس القبرصي السابق، ديميتريوس كريستوفياس، عبر حسابه الشخصي في "فيسبوك"، فيما تجنب التعزية أو التضامن مع مرسي.

والشيخ خطيب لم يوفق بأن هاجم بركة على عدم تعزيته بوفاة مرسي من باب أن الرئيس الشهيد كان مناصرا لفلسطين قولا وفعلا، وزج بالخلاف بالمواقف تجاه المحرقة السورية في هجومه على بركة، إذ كتب "إنهم وقفوا هذا الموقف حقدًا على مرسي وانتصارًا للمجرم الشبيح بشار الأسد الذي وقف مرسي ضده وانتصر للشعب السوري".

وهذا الإخفاق من فصيلة الإخفاق الذي وقعت فيه حركة الإخوان المسلمين في مصر في السابق وخلال حكمها القصير، وهو التعصب الحركي بدلا من التعصب لمقاصد الحركة الأصلية، وحتى الدين الإسلامي، وهي العدالة والعدل.

أما تجنب بركة لتعزية مرسي، فهي أيضًا لا تقل عصبية، وبمقدورنا أن نفسرها بثلاثة عوامل: أولا، العداء للإخوان المسلمين و"حماس"، الذين لم يتردد في السابق بنعتهم بالظلاميين والانقلابيين؛ وثانيا، التخوف من أن التعزية قد تسبب له حرجًا لدى حاكم مصر الحالي، إذ إن نظام مبارك من خلال رئيس المخابرات الأسبق عمر سليمان، كان يتواصل ويلتقي مع قيادات من الداخل بينهم بركة، لذا لم نسمع تصريحا حادا من بركة مثلا، ضد ذاك النظام.

وثالثا، أن إغضاب السيسي بتعزية مرسي، سيجر غضبا لدى السلطة في رام الله، التي منعت فتح بيوت عزاء لمرسي في الضفة الغربية.

وفشل مركبات المتابعة بالاتفاق على صيغة بيان يعزي بوفاة مرسي بسبب كلمة شهيد، كما أعلن بركة، هو أمر مخجل، ويؤكد أن المتابعة لا تحكمها "قاعدة الإجماع" في اتخاذ قراراتها، بل حسابات سياسية صغيرة تفشل إصدار بيان قصير يعزي بوفاة رئيس عربي منتخب، بسبب الخلاف على كلمة. هل هذا سلوك قيادي وأخلاقي وديمقراطي؟

لكن المهم، الذي يجب توضيحه على ما يبدو للبعض، أن قيمة استشهاد مرسي تنبع من كونه رمزًا لتجربة ديمقراطية قتلت سريعًا بفعل تآمر عدة أطراف، مصرية وعربية خليجية، لأنها كانت ستدشن مرحلة عربية جديدة، بقيادة مصر بإرادة شعبية حرة، وستضع العرب، من المحيط للخليج، على سكة التقدم والحرية والنمو، وهي عمليًا مرحلة استقلال الدول العربية الحقيقي، بعد الاستقلال الأول من الاستعمار في القرن العشرين.

كانت التجربة الديمقراطية المصرية بمثابة طائر السنونو الذي يبشّر بقدوم الربيع، ولو نجحت لوفّر العرب على أنفسهم أنهارًا من الدماء التي سالت في مصر بعد الانقلاب العسكري، وفي سورية وفي غزة المحاصرة وغيرها، ولكان عشرات الآلاف من المصريين المشتتين، شرقًا وغربًا، يبنون مصر الجديدة بسواعدهم وقدراتهم التي لا تعرف الحدود.

وحتى لا يتحول الموضوع إلى ترحم وحنين لزمن مضى، أو بكاء على أطلال، فإن إفشال التجربة الديمقراطية في مصر يستدعي التعلم من أخطاء الماضي للاستفادة وعدم تكرارها مستقبلا؛ إذ إن جميع الأطراف المصرية المساندة لثورة 25 يناير، بلا استثناء، ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر، في إفشال التجربة، إما بسبب الفئوية والعصبية، وإما بسبب السذاجة السياسية والتعويل على العسكر، والسبب الأهم هو رفض الحوار مع الآخر، الذي كان حليفا في الثورة قبل فترة قصيرة.

وهذه رسالة مرسي في خطابه الأخير من قصر الرئاسة، والذي امتد على 40 دقيقة تقريبا، الذي خاطب فيه المعارضة الوطنية الشريفة، كما سماها، وحملها أمانة حماية الثورة وأهدافها.

وخطيئة الإخوان في هذه التجربة القصيرة كانت أولا فئويتهم، وثانيا سياساتهم الساذجة، لدرجة أن الشيخ يوسف القرضاوي نبّه وحذّر من هذه السذاجة، واعتبرها أحد الأسباب الرئيسية لفشل حكم الإخوان. لكن هذا كله لا يبرر الانقلاب الدموي على حكم مرسي.

ومن يريد فعلا حمل الأمانة التي أوصى بها مرسي، حماية الثورة وأهدافها، عليه التذكر جيدًا، ودومًا، بأن هدف الثورة كان الحرية والعدالة، وليس حكم الإخوان أو أي حركة أخرى، والديمقراطية هي اختزال مبسط ولكنه أساسي لهدفي الثورة، هي اختزال لقيمة أساسية لضمان الحرية، وهي المساواة الكاملة بين الناس، لأن الحرية بلا مساواة ستصبح امتيازًا حصريًا لفئة من الناس دون غيرهم.

هذه قيمة استشهاد مرسي، بأنه رمز لتجربة ديمقراطية حقيقية في أهم دولة عربية، اغتيلت ببث حي مباشر.

محمد مرسي شهيد الديمقراطية، ألف رحمة على روحه والحرية والعدالة للمصريين، وليغضب المستبدون.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية