معركة الحركة الوطنية... التجمع

معركة الحركة الوطنية... التجمع

رامي منصور

تخوض الحركة الوطنية في الداخل متمثلة بحزبها السياسي، التجمع، معركة ليس على ترتيب المقاعد في القائمة المشتركة، وإنما معركة وجودية بالنسبة لها، بعدما تأكد أن محاولات ضربها وإقصائها ونزع الشرعية عنها، تقودها عدة أطراف تريد للمواطنين العرب أن يكونوا خزان أصوات لما يسمى "اليسار – الوسط" الإسرائيلي، من ميرتس حتى حزب الجنرالات "كاحول لافان".

وقرار ما تسمى "لجنة الوفاق" التي تحركها وتمولها سلطة رام الله، بوضع التجمع رابعا بين الأحزاب، ليس مستغربًا، إذ أنها تخدم أجندات هدفها دعم توجه سياسي محدد تحت شعار "إسقاط نتنياهو". لكن التجمع أخطأ بأن سلم عنقه لمثل هذه اللجنة، رغم نواياه الوطنية الحسنة وحتى لا يكون عائقا أمام تشكيل المشتركة سريعًا، واستنادا إلى تفاهمات وروح تفويض أقرت بها اللجنة ذاتها في بيانها من يوم 29 حزيران/ يونيو الماضي. أقرت بصريح العبارة بوجود تفاهمات وتوافقات وخطوط عريضة بين الأحزاب.

رامي منصور

وقرار التجمع بسحب التفويض من "لجنة الرفاق" صائب لأنها تنكرت للتفاهمات التي رافقت التفويض، وأقصته رابعا في ترتيب القائمة من دون أي منطق، بل وتعاملت بخبث، بأن قسمت المقاعد العشرة الأولى بناء على مفتاح حزبي، أي كل حزب منفرد، فيما قسمت المقاعد 11 حتى 16، بناء على مفتاح التحالفين، الجبهة وطيبي – الموحدة والتجمع، وذلك بهدف ضرب تمثيل التجمع وخلافا للتفويض.

وإذا كان التفويض قد وضع التجمع في معضلة بأن سحبه سيمس بصورته لدى قطاعات واسعة، فإن القبول به سيخسر التجمع تميزه وهويته وتعتبره كوادر التجمع إهانة له، لذلك اختار التجمع أن يكسب نفسه وتميزه وهويته، على أن يدخل في لعبة المقاعد. وقرار اللجنة المركزية للتجمع، يوم الإثنين الماضي، برفض مناقشة مقترح الوفاق وقطع الاتصال مع هذه اللجنة، يؤكد أن التجمع وكوادره يتعاملون مع القضية على أنها وجودية إستراتيجية وليست تكتيكية انتخابية، وقرارها بأن كافة خيارات التجمع السياسية مطروحة، بما فيه عدم خوض الانتخابات تفاديا للتورط في لعبة المقاعد، يؤكد أن التجمع لا يواجه مجرد لعبة مقاعد، بل محاولة إذلال يتشارك فيها رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، وهناك أدلة على تورطه خصوصا في النقاشات داخل الجبهة. فرئيس لجنة الوفاق، الجبهوي محمد علي طه، لا يعصي أمرًا لمحمد بركة، الذي لا يعصي أمرًا لمحمود عباس، وهما مجرد أدوات يحركها الحقد على الحركة الوطنية.

وفي حال لم تنجح الأطراف في تجاوز العقبة التي خلقتها لجنة الوفاق، فإن المشتركة لن تقوم كقائمة مشتركة من دون التجمع، بل سيحصل تحالف جبهوي (شيوعي) – إسلامي في أحسن الأحوال لن يزيد من التمثيل البرلماني العربي في الانتخابات المقبلة، بل سينفر قطاعات واسعة من مصوتي الجبهة من جهة، ومن مصوتي الإسلامية من جهة ثانية. أي أن الوفاق ضربت فرص تشكيل المشتركة كمشروع سياسي وحدوي، وحولته لتحالف ثنائي جبهوي – إسلامي لن يحقق قفزة في التمثيل البرلماني العربي.

أما التجمع، فالأجواء بين كوادره بأن المعركة هي على البيت وليس على المقاعد، معركة على الثقل السياسي للحركة الوطنية، ومحاولة لخطف الساحة السياسية العربية وتحويلها إلى هامش ملحق باليسار والوسط الإسرائيليين.

تتعامل كوادر التجمع مع المعركة على أنها مرحلة تأسيسية جديدة للحركة الوطنية، ولا تخشى من عدم خوض المعركة الانتخابية تفاديا للانزلاق في لعبة المقاعد، الذي يراد للتجمع أن يقع فيها. لذلك أكد التجمع أنه يتمسك بالمشتركة، لكنه منفتح على آفاق وخيارات متعددة، منها تشكيل تحالف وطني ديمقراطي واسع يكون ندًا للتحالف الجبهوي – الإسلامي.

وتدرك كوادر التجمع أن المهمة الآن هي العودة إلى الجذور للحفاظ على هوية التجمع وخطابه السياسي، بأنه حزب الحركة الوطنية وليس حزب كنيست، وأن التراث السياسي للتجمع يؤهله ليقود مرحلة سياسية جديدة يلتحم بها بالمشروع الوطني الفلسطيني بدلا من التذبذب نحو اليسار - الوسط الإسرائيلي. هذه أجواء ونفسية كوادر التجمع.

أدخلت لجنة الوفاق القائمة المشتركة في ورطة غير بسيطة وغير مسؤولة، هدفها ضرب التجمع وتعزيز توجه سياسي تقوده سلطة رام الله، وهو الاندماج بهامش اللعبة السياسية الإسرائيلية، وليس أمام التجمع إلا الحفاظ على بيته وهويته وخطابه السياسي، الذي يعتبر منذ تأسيسه الخطاب الأكثر أهمية وتأثيرا في أوساط العرب في البلاد.

والمؤامرة على التجمع كانت سبب حل القائمة المشتركة المرة الماضية، ولكن في حينه لم تقبل الإسلامية الجنوبية التساوق معها، وقد قدر التجمع موقفها هذا. لكن "الوفاق" كرمت من كان السبب في حل المشتركة المرة السابقة بدل تقدير التضحيات التي قدمها التجمع في 2015، بأن تنازل التجمع عن المقعد العاشر، من أجل إنجاح تشكيل المشتركة. هذا يؤكد أن النوايا مبيتة ضد التجمع.

معركة التجمع ليست معركة ترتيب مقاعد، بل معركة وجودية على مستقبل الحركة الوطنية وخطابها ومكانتها. والتجارب السابقة في كل مكان أثبتت أنه لا يمكن القضاء على حركة وطنية لديها عمود فقري متين وأوساط شعبية وطنية تلتف حولها.

التجمع سيعيد بناء نفسه إما من خلال خوض الانتخابات في تحالف وطني ديمقراطي، أو من خلال العمل من خارج الكنيست، وهي فرصة للتخلص من بعض الشوائب التي لحقت به سياسيا وتنظيميا جراء التنافس على المقاعد وآفاته.

وأخيرًا، ستحترم وستقدر وتثمن الناس الحزب الذي لا يقبل الدخول إلى الكنيست بأي ثمن، والتجمع لن يدخل الكنيست بأي ثمن. هذا جوه وكوادره، خياراته السياسية مفتوحة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"