اعتذار باراك تذكرة في قطار الأسرلة

اعتذار باراك تذكرة في قطار الأسرلة

عوض عبد الفتاح

لم يكن ليضطر مجرم الحرب إيهود باراك لتقديم الاعتذار عن جريمة إعطاء الأوامر بقتل المتظاهرين الفلسطينيين، حَمَلَةْ المواطنة الإسرائيلية، أثناء هبتهم الشعبية الوطنية العارمة عام 2000، لولا الاعتبارات الانتخابية وشهوته للعودة إلى المشهد السياسي الصهيوني.

وجاء هذا الاعتذار بعد أن ضغط بعض المتأسرلين العرب في حزب "ميرتس"، حتى يصبح التحالف الانتخابي معه "حلالا"، أي أن هذا الاعتذار لم يصدر عن صحوة ضمير أو بعد مراجعة مبدئية وجذرية لسياسة عنصرية واستعمارية كان شريكا في صياغتها ومنفذًا لها بوحشية، بحق شعبنا الفلسطيني ككل، وليس فلسطينيي الـ٤٨ فقط.

ليس سلوك المتأسرلين العرب في "ميرتس" سلوكا منعزلًا عما يجري من تدهور في نوع الخطاب السياسي، في أوساط المجتمع الفلسطيني، وبعض الأحزاب العربية المركزية، الخطاب الذي ينحو بوعي أو بدون وعي، نحو الذوبان في خطاب الدفاع عن الديمقراطية الإسرائيلية الهادف إلى استعادة صورتها السابقة الكاذبة.

يتجلى التعبير عن الانزلاق في هذا الخطاب، في اختزال المعركة الانتخابية السياسية بإسقاط نتنياهو والاستعداد للعب دور الكتلة المانعة لكتلة يمينية أخرى مرعوبة من فقدان إسرائيل لصورتها في الغرب، وتتوعد، في حال فوزها، بتدمير المقاومة والمجتمع في بقطاع غزة لتسهيل إعادة سلطة رام الله إلى القطاع لاستئناف المفاوضات (طبعا تقسيم الضفة الغربية بين السلطة الفلسطينية وبين المستعمرين الصهاينة)، وهو خطاب يهدد الوعي الوطني، ويحاصر من بقي متشبثا بالهوية، وبمفهوم العدالة المرتبط بتفكيك المبنى الصهيوني العنصري، ويهدد الإنجازات الوطنية الكبيرة والنوعية التي حققناها على مدار عشرات السنين، وذلك من خلال إعادتنا إلى حقبة الخمسينيّات والستينيّات، ولكن بتبرير أيديولوجي يقوده متعلمون.

ولذلك، فإن مساعدة إيهود باراك، أو حزب العمل الصهيوني، على العودة إلى المجتمع العربي بعد أن طُرد منه شرّ طرد، إثر جرائمه التي ارتكبها بحق المواطنين العرب، والشعب الفلسطيني عامة، وبتأثير حالة الوعي الوطني الشاملة التي أعقبت هبة القدس والأقصى، تعتبر تجردا كاملا من الأخلاق الوطنية والحكمة السياسية، خاصّةً وأنّ المجتمع الفلسطيني بأشد الحاجة إلى ما يوطّد حصانته الداخلية في ظل حالة التخبط والتفكك السياسي الوطني. وهذا، بطبيعة الحال ينطبق، أيضًا، على المبادرات الجديدة التي تسعى إلى تجاوز الأحزاب الوطنية القائمة، من جهة اليمين وليس من جهة اليسار؛ أي تلك التي تريد أن تخطو بخطوات أسرع أو بخطاب أكثر هبوطًا من خطاب بعض القوى القديمة، التي بدأ بعضها يغازل اليمين، وبعض آخر يسعى إلى التحالف مع ما تبقى من اليسار الصهيوني والمركز الصهيوني. وإذا أضفنا إلى كل ذلك، تفكك المشتركة، والتربص بالمركب السياسي الوحيد الذي يتصدى لهذا الهبوط والانحراف (التجمع ونخبة مثقفة وأكاديمية واسعة)، وما ينتج عن هذا التفكك والتربص من عواقب وخيمة على المناخ المجتمعي العام، فيمكن القول إنّنا أمام كتلة خطيرة كبيرة آخذة بالتشكل، وقد تكون جارفة تدفع بمجمل الجسم السياسي إلى الوضع الذي ساد عشية وبعد توقيع اتفاق أوسلو.

وما يعزز هذا الخطر، هو التحولات في الطبقة الوسطى الفلسطينية الآخذة بالتوسّع داخل الخط الأخضر والانعزال عن الهمّ العام، والتي يتغير مزاجها، وأولوياتها، واهتماماتها. لقد باتت الرغبة بالاستقرار، والانغماس بذاتها، وتحقيق النجاحات الفردية، مكونًا من مكوناتها الجديدة. ولهذا، تصبح النخبة التي تنتج المعرفة والفكر النقدي والمتيقظة لما يجري من مخاطر، أمام تحدٍ كبير ومسؤولية ثقيلة. وهناك حاجة إلى رفع الصوت أكثر وأقوى.

وفي غاية الخطورة أن يتملكَ بعضَ هؤلاء المتيقظين شعورٌ بالعجز أمام هذه الكتلة الاجتماعية، السياسية واللاسياسية، وكأنه علينا أن نتكيّف معها، من خلال تخفيض مستوى الخطاب، وتعديل اللغة والمفردات، لأن من شأن ذلك هدم كل إمكانية للنهوض والتجدد والاستمرار.