عرب الداخل.. دماء عربية تسيل بتواطؤ دولة الأبرتهايد

عرب الداخل.. دماء عربية تسيل بتواطؤ دولة الأبرتهايد

ناصر السهلي

 ثمة ثابت يصعب الاختلاف عليه، أقله لدى العارفين بطبيعة الاحتلال الصهيوني، الذي قام على مذابح وتدمير مدن وقرى فلسطين التاريخية، ومحاولة تحويل شعبها الأصلي إلى ما يشبه منعزلات، ورغبته الدفينة بالتخلص من البقية حرفيا.

 فهذا الاحتلال يستند في ممارساته مع أصحاب البلاد الأصليين على تجارب مستعمرين سابقين، من داعميه الغربيين اليوم، أقله في مجال يعرفه من قاوموه من فلسطينيي الداخل منذ نكبة 1948 في سعيه تقسيم الفلسطينيين تقسيمات لا تمت لهم بصلة.

وسرديته التي اخترعها للتعامل مع العرب كمجموعات متفرقة ومتناثرة ودينية واختراعات "إثنية" أفشلها وعي وطني في سياق التمسك بالجذور العربية الأصيلة. فإشغال دولة الاحتلال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، بتأليبهم على بعضهم، لم يتوقف منذ 71 عاما. واليوم يمعن في محاولة حرف البوصلة عنه وعن تحوله إلى كيان أبرتهايد، وباستجلاب واضح لتجربة جنوب أفريقيا، باختراع قوانين عن يهودية الدولة، وخلق ما يشبه منعزلات، والإصرار على نشر حالة تصهين وأسرلة في محيط عربي بعيد وقريب، ونشر منسق وممنهج لحالة يأس بين شعب فلسطين عموما، وفي الداخل خصوصا، بإطلالات إعلامية نفسية تستهدف الجيل الجديد تحديدا عن "العرب الذين تخلوا"، كمحاولة لخلق تشوهات، وما يشبه انحرافات عن البوصلة والأهداف الرئيسة في اعتبار القضية مسألة تحرر وطني،.

ويحاول وضع الناس في مواجهة مع قضايا مختلقة، وبتواطؤ وتشجيع وتعميق لها، وهي ليست سوى واحدة من ممارسات تعميق نظرية "فرق تسد" التاريخية لمستعمرين سبقوه فيها.

فإذا كان شعب الداخل أفقد الحركة الصهيونية قدرتها على تحويل الفلسطينيين إلى مجموعات متفرقة جهوية ومذهبية وطائفية، بفعل نضالات الحركة الوطنية وتضحياتها الطويلة، فإن مخاطر أخرى باتت تطل برأسها على الواقع الفلسطيني، ضمن شروط كثيرة ومتشعبة، ذاتية ومستجلبة، لإيقاع هذا الشعب في براثن ثارات ودماء لا تستحق لا القضية ولا شعبها الذي صمد كل تلك العقود أن يقع في فخها.

فالملاحظ أن الفترة الأخيرة باتت تحمل أخبارا مؤسفة ومحزنة عن استفحال جرائم القتل التي يذهب ضحيتها أبناء المجتمع الفلسطيني بأياد فلسطينية للأسف.

الجميع يعرفون أن عرب الداخل ليسوا الممسكين بقضايا أمن مجتمعاتهم المحلية، من حيث الشرطة والقضاء ومنع انتشار السلاح، لكنهم قادرون بمبادرات مجتمعية ووطنية أن يضعوا حدا لذلك. فخلال أيام قليلة مضت يسقط 4 شبان بالرصاص والطعن في شجارات ما كان يجب أن تؤدي إلى هذه الدماء والخسارات المؤلمة لعموم الفلسطينيين.

صحيح أن المجتمع الفلسطيني ليس مجتمعا ملائكيا، وهو كأي مجتمع يمكن أن تقع فيه جريمة هنا وهناك، لكن هذا الاستفحال وتحت مرأى ومسمع السلطات الإسرائيلية، وبما يشبه التحريض المعروف صهيونيا عبر التاريخ، بات يستدعي من القوى الوطنية والمجتمعية، الحية والحريصة على مجتمعها الفلسطيني وتماسكه لمواجهة كبريات القضايا، أن تتماسك وتواجه هذه الحالة الكارثية المتصاعدة خلال الأعوام الماضية.

وبحسب ما نشر في موقع "عرب ٤٨" عن "فشل" السلطات في منع انتشار واستخدام السلاح غير المرخص، وزيادة في أعداد المغدورين العرب خلال 17 عاما، وبينهم نساء، تشتم رائحة تواطؤ رسمي لإشغال الشارع الفلسطيني في انعدام الأمن ونشر متقصد لآفة الجريمة والعنف بأقل مما هو الحال عليه في التجمعات اليهودية. وذلك كله، إلى جانب الكثير غيره، يضاعف عملا لا قولا مهمة القوى المجتمعية والوطنية، ونخب ومثقفي المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، وخصوصا قبيل الانتخابات القادمة، لتعزيز أمن هذا الشعب ووقف حقيقي لهدر حيوات الشباب والنساء بأياد عربية، والوقوف بوجه انتشار العنف والسلاح والتنمر على الذات، إذ أن كل مصيبة ترتد على الكل الفلسطيني.

 يكفي الفلسطينيين سيل الدماء اليومي على يد قطعان المستوطنين وجيش الاحتلال، سواء في الضفة والقدس أو غزة، أو في الشتات، وما يخطط لعموم الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية لمحاولة تصفية قضيته. قد لا يرى البعض أن جريمة قتل شاب هنا وسيدة هناك لها علاقة بما نشير إليه، لكن من يقرأ التراكم الحاصل في الاستهدافات التي تطاول المجتمع الفلسطيني لتفتيته ونشر مزيد التمزق والتشتت فيه، وبالتالي الانشغال بقضايا تجاوزها الفلسطينيون بوعيهم، سيصل إلى ربط منطقي مع الخلاصة القائلة إن تواطؤا واضحا ومتجليا من السلطات تقوله الأرقام والنتائج الدموية.

خلاصة القول: بعيد مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت (أيلول/ سبتمبر 1982)، وتحت إشراف مباشر من أرئيل شارون، يتذكر الفلسطينيون الجملة الشهيرة لمناحيم بيغين ملوحا بيده ومتنصلا من المذبحة: "أغيار قتلوا أغيارا".. فمن المؤسف بحق أن يحتفي الصهاينة فرحين باستعادة خطاب بيغين، وقد تحولت دماء عربية تسيل على يد متهورة إلى مصدر سعادة لدولة احتلال تقول للعالم: نحن لسنا سبب شقاء الفلسطينيين.. باختزال القصة في طلب الأمن والأمان، بعد أن يستفحل الدم في الشارع... ويستطيع العقل الفلسطيني الذي أبدع في الداخل صمودا أن يتصدى بحكمة لما يريده جهاز استخبارات وشرطة، يبتسم وفاركا يديه فرحا.. وإن أظهر عبوسا كاذبا..