الصراع الإقليمي الجاري لا يدور حول تحرير فلسطين بعد

تحليل || الصراع الإقليمي الجاري لا يدور حول تحرير فلسطين بعد

د. وليد سالم

في ظل تراجع الإقليم المضطرد أمام التوسع الإسرائيلي واتجاهه المعلن لسرقة فلسطين كاملة، باتت التحليلات السياسية الفلسطينية وبعض العربية تتلهف لكل عمل يواجه هذا التوسع، وباتت تطلق مصطلح المقاومة لوصف أي حدث يتجرأ على إسرائيل، مع أن الأمر ليس كذلك بعد، فهنالك التنافس الإيراني الإسرائيلي على السيطرة على المنطقة العربية، وفي إطار هذا التنافس تدور الصراعات "المحسوبة" بين الطرفين بدون نية لأي منهما للانجرار إلى حرب شاملة بل البقاء ضمن حالة "المعركة بين حربين" كما يسميها المحللون الإسرائيليون، فيما تعبر إيران كل يوم عن عدم رغبتها بالانجرار إلى حرب. 

حتى الآن، لم تتجاوز إيران جزءا من أجندتها القائمة على أطماع معروفة في الاستحواذ على المنطقة العربية، فهي تسمي الخليج العربي بالخليج الفارسي، كما تحتل الجزر العربية الطنب الكبرى والطنب الصغرى وأبو موسى العائدة للإمارات. في إطار هذه الأطماع فإنها تدعم حركات مقاومة فلسطينية لإسرائيل مثل حماس والجهاد الإسلامي، ولكنها تدعمها حتى الآن من اجل تحسين وضعها في التنافس مع إسرائيل على النفوذ في المنطقة، وليس من أجل تحرير فلسطين بعد. 

أجندة إسرائيل للسيطرة على الإقليم أشمل وأكثر تعقيدا، فهي تتضمن أولا الإفلات بفلسطين كاملة، وتنفيذ وعد بلفور باعتبار فلسطينييها أفرادا لهم حقوق فردية، وليس حقوقا وطنية، إما أن يقبلوا بها وإما أن يغادروا البلاد. وثانيًا، فهي تتضمن أجندة للسيطرة على الإقليم بعد إزالة المنافس العسكري الإيراني، والتغلب على المنافس الاقتصادي التركي، ونهب ثروات السعودية ودول الخليج بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية. وإذا ما تحققت هذه العناصر الثلاث، يصبح لإسرائيل السيطرة المطلقة في المنطقة كما تتمنى.

كأن قدر المنطقة العربية هو إما أن تخضع للنفوذ الإيراني أو النفوذ الإسرائيلي، لا أن يكون لها ولشعوبها صوتها الخاص وحقها الخاص في تقرير مصيره

في ما يتعلق بإيران، لا تهدف إسرائيل وأميركا إلى تقويض النظام الإيراني، كما فعلت أميركا مع نظام صدام حسين في العراق، بل تهدف إلى نزع تهديده لأجندة إسرائيل الإقليمية للسيطرة على المنطقة، لذلك فهي تسعى لإخراج النفوذ الإيراني من سورية والعراق ولبنان واليمن، ولمنع تحول دعمه لقوى المقاومة من أن يصبح دعما شاملا موجها نحو نظام الهيمنة الإسرائيلي، بدون تردد أو حسابات. 

أما بالنسبة لتركيا، التي تكافح للانتقال من الاقتصاد السابع عشر إلى الاقتصاد العاشر عالميا مع حلول ذكرى تأسيسها المئوية عام 2023، فهي تواجه سعي إسرائيل لأن تصبح الاقتصاد الخامس عشر عالميا خلال السنوات القليلة المقبلة، فيما تسعى أميركا وإسرائيل لمنع تركيا من التقدم اقتصاديا بكل السبل، بما في ذلك من خلال فرض عقوبات اقتصادية عليها والتلاعب بقيمة الليرة التركية.

وأخيرًا، بشأن دول الخليج، فإن إسرائيل تقدم نفسها وراعيتها أميركا لهذه الدول على أنها مستعدة لحماية أمنها مقابل ثمن مالي، قدمت منه السعودية لأميركا 460 مليار دولار، والإمارات ما يزيد عن 200 مليار دولار. المطروح هنا أيضا هو نهب ثروات هذه الدول بذريعة دعمها ضد إيران، وبذلك تتسيد إسرائيل اقتصاديا وليس فقط عسكريا في المنطقة.

لا تبدو إيران ولا السعودية قادرتين على استيعاب هذه الإستراتيجية الإسرائيلية بكافة جوانبها، لذلك تلجأ إيران إلى مواجهة سعي إسرائيل للنفوذ بسعي إيراني مضاد لتوسيع نفوذها في المنطقة العربية، وكأن قدر المنطقة العربية هو إما أن تخضع للنفوذ الإيراني أو النفوذ الإسرائيلي، لا أن يكون لها ولشعوبها صوتها الخاص وحقها الخاص في تقرير مصيرها. أما السعودية فهي تظن واهمة أن تعاونها مع إسرائيل سيتيح لها أن تسيطر على المنطقة بصورة مشتركة مع إسرائيل، بعد إزالة التهديد العسكري الإيراني، والتهديد الاقتصادي والإقليمي التركي.

ولكن الأمر ليس كذلك من ناحية إسرائيل، فهي تريد السيطرة منفردة بدعم من أميركا، ولذلك تستغل صراع دول الخليج مع إيران من أجل نهب الأخيرة لتحقيق تسيد إسرائيل المطلق في المنطقة، مع إبقاء كل من العرب وإيران ضعيفين، والاستمرار في استغلال التناقض بينهما، وهو ما يقتضي عدم تقويض إيران بل السعي للتحالف معها بعد إضعافها ضد العرب، من أجل إبقاء العرب بدورهم ضعفاء أيضا. وقد عبر عن هذا التوجه تراجع الرئيس الأميركي، ترامب، عن ضرب إيران بعد إسقاطها لطائرة أميركية مسيرة، وهو تراجع ستنضم له إسرائيل لاحقا بعد أن تؤدي دورها المطلوب في إضعاف إيران إقليميا.

لا معالجة لهذا الانحدار، الذي يهمش الكفاح من أجل فلسطين إقليميا، سوى بتفاهم تركي - إيراني - عربي قائم على فهم الإستراتيجية الإسرائيلية وسعيها لاختطاف فلسطين والسيطرة على المنطقة

أين فلسطين في إطار الصراع والتنافس الإقليمي؟ هي غير موجودة وليست ذات أولوية حتى الآن، لا لدى إيران ولا لدى دول الخليج. الأولى، لا زالت تدعم قوى المقاومة لتحسين أوراقها الإقليمية للتنافس مع إسرائيل، وليس من أجل تحرير فلسطين، وذلك على المستوى المنظور، على الأقل. أما الثانية فقد تجاوزت حتى المبادرة العربية للسلام، التي تشترط حصول التطبيع بعد زوال الاحتلال، ولهذا، فهي تطبع أمنيًا واقتصاديًا مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية، كما أنها تتخذ مواقف أقل ما يمكن وصفها بأنها مائعة تجاه قضايا ضم ما تبقى من فلسطين إلى إسرائيل، وإعلان أميركا للقدس عاصمة لفلسطين.

يفيد هذا التحليل الموجز، أن فلسطين متروكة إقليميا لإسرائيل لتعبث بها على المدى المنظور، ضما للأرض من جهة، وضغطا على السلطة الفلسطينية في رام الله وحصارا لها، لتصبح مشغولة بالرواتب وتلبية الحاجات المعيشية أكثر من انشغالها بمعركة التحرير، وتمارس إسرائيل الضغط ذاته على حركة حماس في غزة بذات الاتجاه، مما جعل المقاومة تصبح أداة ضغط من أجل تحقيق التهدئة مع إسرائيل لضمان وصول المساعدات المالية، وتشغيل محطة الوقود في غزة، وليس أكثر من ذلك حاليا. 

لا معالجة لهذا الانحدار، الذي يهمش الكفاح من أجل فلسطين إقليميا، سوى بتفاهم تركي - إيراني - عربي قائم على فهم الإستراتيجية الإسرائيلية وسعيها لاختطاف فلسطين والسيطرة على المنطقة، وإضعاف كل أقطابها وتوتير الصراعات بينهم، ويوفر الخطط والإمكانات لمواجهتها. ما عدا ذلك، فإن ترك فلسطين للفلسطينيين لوحدهم من أجل تحريرها هو خيار قد ثبت عقمه. ولعل أحد المقدمات لنشوء التفاهم الثلاثي المذكور، هو إعادة انبثاق دولة عربية محورية وموحدة، مناظرة لإيران وتركيا، وتتحاور وتتعاون معهما على قاعدة الندية، وطرح المطالب والقضايا العربية بقوة.

يبدو ذلك، وكأنه ضرب من الخيال، اليوم، ولكنه قد يتحقق في ظل الرمال المتحركة للمنطقة العربية الحبلى دائمًا بالمفاجآت. 

 

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"