نتنياهو و"خطاب النصر" في الخليل

نتنياهو و"خطاب النصر" في الخليل

سليمان أبو إرشيد

في الوقت الذي تنشغل فيه جميع الأحزاب والقوائم، بما فيها القائمة المشتركة، بشخص نتنياهو حصرا، ينشغل نتنياهو بخوض معركة سياسية من الدرجة الأولى عنوانها "فرض هيمنة إسرائيل في المنطقة، وتثبيت ركائز سيطرتها على كامل فلسطين التاريخية والجولان السوري المحتل".

قد يقول خصومه إن تلك المعركة تخدم مصالح نتنياهو الحزبية والشخصية والسلطوية، وهم يمحورون معركتهم الانتخابية في ملفات فساده وفي التشنيع على شخصه، تاركين جانبا كل الملفات السياسية ذات الشأن، وهذا صحيح، ولكنه (نتنياهو) الوحيد الذي يخوض معركة انتخابية سياسية، بل هو لا يفصل بين المعركة الانتخابية والمعركة السياسية التي يخوضها كرئيس لحكومة إسرائيل، في تمكين هيمنة الدولة العبرية على كامل الأرض الفلسطينية وبسط هيبتها على المنطقة العربية.

من هنا نرى تناغم ضربات الجيش الإسرائيلي في سورية والعراق ولبنان، مع ضرب غزة واستمرار حصارها، والاقتحامات والمداهمات، وتعزيز الاستيطان في كافة أجزاء الضفة الغربية ومناطقها، والتي يندرج في إطارها اقتحام نتنياهو شخصيا للحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل بالتزامن مع الذكرى الـ90 لأحداث 1929، التي بدأت في ساحة حائط البراق في القدس، وامتدت إلى الخليل ومدن فلسطينية أخرى، وكان من أبرز نتائجها اقتلاع الاستيطان الصهيوني من قلب الخليل.

ظهور نتنياهو وسط التجمع الاستيطاني في الخليل وفي قلب الحرم الإبراهيمي الشريف، الذي قسمته إسرائيل مناصفة بعد المجزرة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين بحق المصلين الفلسطينيين، لا تحمل دلالات انتخابية فقط، بل هي رسالة سياسية واضحة للفلسطينيين والعرب والعالم، بأن إسرائيل قد دفنت حل الدولتين وهي ماضية في تكثيف استيطانها في كل مكان من الأرض الفلسطينية.

وغني عن البيان أن اقتحام رؤوفين ريفلين (كان قد رافق شارون في اقتحامه للأقصى عام 2000) للخليل، في اليوم ذاته، أيضا، جاء ليضفي طابعا رسميا موحدا على توجه نتنياهو وحكومته السياسي، خاصة في ظل تواطؤ جميع أحزاب المعارضة مع هذا الاقتحام، وصمت القائمة المشتركة.

وعلى درب شارون، الذي صرح لدى اقتحامه المسجد الأقصى عام 2000 بأن "جبل الهيكل بأيدينا"، فقد اختار نتنياهو ذكرى أحداث ثورة البراق التي وقعت عام 1929، والتي تسببت باقتلاع الوجود الاستيطاني الصهيوني من الخليل، ليقول للفلسطينيين إن الاستيطان في قلب الخليل باق هذه المرة إلى الأبد.

إلا أن الرابط بين الحرمين الإبراهيمي والقدسي الشريفين لا يقتصر على الحدث التاريخي المتمثل بثورة البراق، التي بدأت في القدس وانتقلت إلى الخليل، حيث يقوم نتنياهو بإحيائها هناك، ولا في الاقتحامين الشاروني والنتنياهووي، بل في ما يخططه الاحتلال من تقسيم للحرم القدسي الشريف على غرار ما قام به في الخليل.

وفي حين يعتبر الكثيرون من القادة والمؤرخين الصهاينة، ومنهم جابوتنسكي، أن أحداث 1929 هي الحدث المؤسس في تاريخ الصهيونية، فإن نتنياهو الذي يرى بنفسه نسخة جديدة لهرتسل أو بن غوريون، حاول أن يصحح أخطاء التاريخ وخاصة الخطأ المتمثل بالتخلي عن الضفة الغربية عام 1948 والخروج من الخليل عام 1929، متناسيا عمدا أن حكومته هي من نفذت اتفاق الانسحاب من الخليل عام 1996.

"جئنا هنا لنحتفل بالانتصار وسنبقى هنا للأبد"، قال نتنياهو موجها حديثه للفلسطينيين، وسط تصفيق الحاضرين في القاعة المكتظة بالمستوطنين المتدينين وبحضور وزير المعارف في حكومته ورئيس "البيت اليهودي" أحد مكونات تحالف اليمين، الحاخام رافي بيرتس، الذي باتت تتزعمه أييليت شاكيد. وفي السياق الانتخابي، كان نتنياهو بذلك يطلق النار على أرجل شاكيد وبيرتس وتحالف اليمين، وهو يزاود عليهم في عقر دارهم، فيما يبدو أنهما مسلكان للسياسة والأيديولوجيا يسيران لدى نتنياهو جنبا إلى جنب.