حول أزمة الخيال السياسيّ   

حول أزمة الخيال السياسيّ   

حنين زعبي

لا قوة للتأثير الفلسطيني دون بعد عن التفاصيل ودون مساحة اغتراب


لم يحدث في السياسة العربية في العقدين الأخيرين (وربما قبل ذلك)، قبل التوصية على رئيس حزب "كاحول لافان"، بيني غانتس، أن تصرفت بعض الأحزاب العربية داخل الكنيست بهذا البعد الإسرائيلي وبهذا التخلي الكامل عن البعد الفلسطيني، ولم يساهم خطابٌ مرافق وتبريري صادر من الأحزاب العربية نفسها، بتعزيز  التناقض بين بُعد المواطنة وبُعد الهوية، كما فعل الخطاب الذي دعم التوصية، وذلك بخلافٍ كامل مع محاولات الخطاب الوطني في إنتاج "مصالحة" ما بينهما؛ مصالحة تستند إلى عملية إعادة تعريف مضامين واستحقاقات المواطنة، والأداء السياسي النابع منها بحيث لا يتناقض مع هويتنا وانتمائنا.

ولا أعتقد أن حتى من أيدوا قرار التوصية على غانتس، لم يغب عنهم أن سؤال "الشعب الفلسطيني"، الذي من الطبيعي أن يحضر في مسألة من يكون رئيسا لحكومة إسرائيل، غاب تمام الغياب. وسؤال الشعب الفلسطيني هو سؤال قضيته، وليس سؤال سلطة تنتظر بمهانة من يقبل التنسيق معها. أيُعقل أن يصدر الحاخامات فتوى للأحزاب الدينية بألا تجلس في حكومة مع لابيد، ولا تقوى مآسي شعبنا وذاكرة حروبه وشهدائه ومآسيه ألا تصدر لنا فتوى بعدم التوصية على المجرمين بحقّه؟ 

زِد على الشرخ الواضح بين منطق المواطنة ومنطق الانتماء، ضربتين: الثانية تلقاها الخطاب المدني القاضي بأن الحقوق غير مشروطة. لقد ضربت التوصية بعرض الحائط خطابا مدنيا عملنا على تثبيته، ويدور حول مسألة  الحقوق غير المشروطة، وها هي "التوصية" تعود من أوسع الأبواب لتربط بين حقوقنا وبين موقفنا السياسي، ومن الآن فصاعدا تستطيع الأحزاب الصهيونية أن تشترط مواقفها من قوانين عنصرية ومن حقوق ومن خلافه بالتوصية عليها لرئاسة الحكومة، والضربة الثالثة هو الشرخ الذي تم بلورته بين خطاب الانتماء وخطاب التأثير، المتصالحان دائما في الفكر التحرري، وفي القاموس السياسي للشعوب التي تناضل من أجل حريتها، حيث تحتل مرادفات مثل مهانة وكرامة، قيمة كبيرة، ليس فقط لدورها الرمزي والمعنوي لدى الشعوب المناضلة، بل أيضا لما تُوحيه من قيمة وجدية واحترام لدى الخصم، وهي ورقة قوة عملية بحد ذاتها وليست فقط معنوية.

وسؤال الهوية هذا، هو نفسه سؤال التأثير، لأن الهوية تُحتِّم مبدئيا أن يُطرَح سؤال التأثير بمفهوم التأثير كفلسطينيين، أي من داخل خطابنا وموقعنا التاريخي، هذا إذا كنا اخترنا فعلا أننا نناضل كجزء من شعب وعلى أساس موقعنا التاريخي وليس فقط المدني. أضف إلى ذلك، أننا نعي فعلا وتماما أن المواطنة لم تجعلنا لاعبا مؤثرا داخل اللعبة الإسرائيلية، وأن مفهوم الصراع هو الذي يحكم علاقتنا مع الدولة وليس مفهوم المواطنة، وبالتالي رغبتنا في التأثير عليها يجب ألا تكون بمعزل عن حقيقة أننا نلعب كطرف خارجي وليس كطرف داخلي، وأن المواطنة التي نأخذها نحن بجدية (لكي نناضل من خلالها وليس لكوننا نقبل مضامينها وترتيباتها)، لا تكفي لكي تجعلنا نلعب كطرف داخلي، طالما أن إسرائيل لا تأخذها بجدية.

بالتالي فإن إصرارنا على اللعب كطرف إسرائيلي، بينما نحن لسنا كذلك، هو ليس فقدانًا للهوية والبوصلة فقط، وإنما فقدانٌ للتأثير، لأن شرط التأثير الأول، هو أن نقرأ مكانتنا وأن نقرأ الخريطة السياسية التي نعمل في إطارها جيدا، قراءةً عقلانية وليس رغبوية أو قراءة بالتمني. والتأثير يعني أيضا أن نميز الفرق بين رغبتنا الشديدة جدا في أن نكون مقبولين على الطرف الآخر، وبين قدرة الآخر إلى جانب رغبته في ألا يقبلنا، وأن قدرته هذه أقوى بكثير من رغباتك. وجيد في النهاية أن نستنتج أن السياسة قدرات وفعل وليس "رغبات"، والفلسطيني لن يتحول من طرف غير قادر وغير مؤثر إلى طرف قادر ومؤثر، لمجرد أنه "يرغب في التأثير".

الاستنتاج السياسي بقليل من النزاهة الفكرية، عليه أن يجعلنا نقر، أننا ضعفنا بعد هذه التوصية، لأن الإهانات السياسية لها معنى سياسيًا، إلى جانب طعمها المر، لكن ما علينا أن نستنتجه أيضا هو أننا لا نستطيع أن نمارس "مواطنتنا" بمعزل عن مفاهيم الصراع وعمليات بناء القوة التي تتطلبها، وأن الصراع بيننا وبين الدولة، هو ليس قرارا لك أو لي، بل هو واقع سياسي، أمامنا فقط أن نقرر فيما إذا كنا سنقرؤه أو لا، ومن ثم فيما إذا كنا سنواجهه أم لا.

كما أن القرار هو ليس قرارا بين "التأثير" أو عدمه، بل هو قرار بين التأثير وفق قراءة سياسية لواقعنا أو وفق قراءة رغبوية، تركلها إسرائيل عند كل مفترق. 

الرغبة في التأثير هي حاجة وهدف ومصلحة وطنية، لا يختلف عليها اثنان، لكن مرافقتها للحاجة الشخصية الشديدة بأن "نلعب دورا طلائعيا" وكأننا اكتشفنا معادلة التأثير السحرية التي ستجلب لنا "الدور القيادي المنشود"، تأتي بنتائج هدامة ومهينة، كما رأينا. المطلوب للخروج من حالة الجمود السياسي وانعدام التأثير، هو ليس رغبة شخصية جامحة في "فعل شيء"، بل هو قليل من التواضع وقليل أو أكثر من الخيال السياسي، من كسر الجمود وليس الثوابت، الذي دونه لا تستطيع حركة تحررية، أو نضال سياسي أن يستشرف طريقه.

والخيال السياسي يكون بتوسيع خياراتنا نحن، وليس برسم سيناريوهات متخيَّلة للآخر، يرفضها الآخر ويبدع في تسخيفها، كأن نتخيل قيام حكومة مركز - يسار، أو أن نتخيل أن غانتس مركز وليس تجسيدًا لليمين التقليدي، أو أن نتخيل أن الأحزاب الصهيونية بحاجة لنا أو أنها تحترمنا أو أن لنا دورا في لعبتها. هذه خيالات شخصية، لا هدف لها سوى تبرير لقرارات اتخذناها ونبحث لها عن واقع يلائمها. الخيال السياسي مبنيٌ على رؤية ثاقبة للواقع ونافذة نحو المستقبل، وهو ذاك الذي يمكِّننا من توسيع خياراتنا الفعلية وتحويل قراراتنا ومواقفنا إلى إستراتيجية وطنية عامة، وهذا لا يحدث بالقفز على الأحزاب، وبالدعاء العاطفي للناس أن "أعطوني ثقتكم لأسبوع" وبطريقة "خبط عشواء" لهواة، بل هذا يحدث بمراجعة سياسية جدية عامة بقيادة الأحزاب وبمشاركة الناس، وبوعي أننا نؤسس لإستراتيجية كاملة، تعزز حصانتنا ونفسنا الوطني، وتعي أهمية حالة الاغتراب مع واقع القمع وأدواته، وأهمية عدم الغرق والتورط في التفاصيل الإسرائيلية، والأهمية الأخلاقية والطاقة السياسية الكامنة في محاربة التضاد بين المواطنة والانتماء، ووعي توتراته وإدارتها.

في خضم المعركة حول بناء المعنى الأوسع من التوصية، وفي خضم المعركة حول بناء قيمة ودور ومكانة المشتركة نفسها، سيحتل دعم التوصية في الرأي العام مكانا أكبر من قضية الدعم العيني للتوصية، إذ سيدخل حيز شرعنة توجهات مدنية - إسرائيلية، يحاول حاملوها تقديمها على أنها جديدة أو إبداعية أو "شجاعة" (صفاقة بالتأكيد هي الوصف الملائم لمثل هذا النمط السلوكي)، مع أنها قديمة قِدم نموذج العربي الذي حاولت إسرائيل إرساءه منذ نشأتها، يقوده البعض في المشتركة، كتوجه يعود بنا ويذهب بنا نحو تغليب المدني غير الوطني على حساب المدني - الوطني، ناهيك عن إمكانية أن تخرج المشتركة من مسار الطموح بأن تتطور باتجاه مشروع سياسي جماعي يناضل من أجل تغيير مكانة الفلسطينيين ومن أجل إعادة تعريف الكيان السياسي الذي تشكل على حسابنا.

ومن قال إن الخيال أهم من المعرفة، لم يقصد الاستهتار بالمعرفة، بل البناء عليها، والخيال عنده هو ما نتخيله اليوم لكي نعيشه ونعيه وندركه مستقبلا.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"