لا نبحث عن "إسرائيل الجيدة".. لكننا نبحث عن قوة شعبنا

لا نبحث عن "إسرائيل الجيدة".. لكننا نبحث عن قوة شعبنا

حنين زعبي

كان من المفروض أن يتركز هذا المقال على فصل العلاقة التي يتم الإصرار عليها - أو بالأحرى تفكيكها وتخفيفها بشكل كبير- بين واقع الجريمة وبين واقع استعمار الأرض واغتراب النفوس، وكان يهدف إلى ادعاء أن الجريمة على خلاف العنف، هي نتيجة "كماليات" المشروع الاستعماري، ونتاج مجهود مضاعف يضاف إليه، وهي ليست نتاجا متوقعا وحتميا لواقع بتر وسلب وعنف تنتجه دولة تتعامل مع نفسها تجاه الفلسطينيين، وتجاه الأرض والفضاء والطبيعة والموارد، كحاملة مشروع استعماري.

وكان يهدف أيضا إلى تفكيك الربط التلقائي - ربط الأسباب وطرق العلاج والتوجهات النظرية والعملية - بين الجريمة والعنف في نقطة أخرى، تفيد أن مشكلة مجتمعنا في الداخل هي الجريمة وليست العنف. وأن الجريمة، أو بالأحرى الرسائل "التثقيفية" و"المعنوية" التي ترسل من خلالها لمجتمعنا ولجيل الشباب، تساهم بشكل كبير في طرح العنف كوسيلة متاحة "لحل مشاكل" تقوم عصابات الجريمة بتوفير أدواتها، فيما العكس ليس صحيحا.

ويقود هذا التمييز أيضا بين الجريمة والعنف إلى الاستنتاج القائل بأن محاربة الجريمة سينتج عنه انخفاض تلقائي لنسب العنف، فيما العكس غير صحيح. لكن أترك ذلك لمقال قادم، ونتمحور الآن حول تحركات وفرص الساعة: رؤيتنا وإستراتيجيتنا بين جهوزية الشارع وبين السياسات والتوجهات الإسرائيلية.

في الرؤية السياسية

حنين زعبي

نحن نعي تماما بأنّنا لا نبني على حسن سلوك أو نوايا الدولة العبرية، ولا على انصياعها أو صحوتها أو حساباتها الأخلاقية، وأن إسرائيل لم "تتحسن"، بل إنها تغيرت لاتجاهات فاشية بامتياز، وأننا لا نبحث عن إسرائيل جيدة، بل ندرك أن إسرائيل تحمل لنا مشروعا واضح المعالم، ونحن نعي تماما أنّ من يبحث عن اختلافات لكي "يستثمرها"، سيحشر داخل القضبان الضيقة لهذه الاختلافات، ولن يجد أية مساحة مناورة حقيقية منتجة للسياسة بل مجرد حركات سياسية لا تجدي. ورغم ذلك الوعي تبقى السياسة ممكنة، لأن الواقع لا يتوقف ولا يختصر في نوايا الآخر وعدائه وعنفه فقط.

بالإضافة لهذا تتحمّل "الجريمة" والتّعامل معها، التحليل الموضوعي القائل إن احتمال استجابة السلطات الإسرائيلية، نتيجة لضغط الشارع وتغيير أداء القيادة، هو بالمنطق البسيط أكبر من احتمال استجابتها لمطالبات تتعلق بقضايا الأرض أو الهوية أو حدود نضالنا السياسي، مثلث يشكل عصب العداء والعدوان الإسرائيلي تجاهنا، وعصب المادة الوراثية (DNA) لأي مشروع استعماري.

إن إغراق مجتمعنا بالجريمة ليس من أركان المخطط الصهيوني، وتبقى ثقة الدولة في السيطرة علينا كبيرة دون هذا الجانب (الإكسترا). إذًا، نحن  نستطيع استغلال "مزية" أن الجريمة لا تمس عصب منطقة العداء والسيطرة الإسرائيلية علينا، كما تفعل قضايا الأرض والهوية والنضال. هذا الأمر يجعل منسوب المحاذير والتردد في خروج الشارع العربي للمظاهرات والاحتشاد أقل، كما أنه يجعل منسوب العداء في الشارع الإسرائيلي تجاه مظاهراتنا أقل، وأكثر تفهما.

الأمر الثاني والأكثر الأهمية، والذي نبني عليه، يتعلق بشعبنا وليس بإسرائيل، وشعبنا دائما هو الذي يعول عليه وليس إسرائيل، أي حدة الغضب الشعبي وانتشاره حتى لقطاعات اعتادت تجنب السياسة والنشاط السياسي. لكن ليست إسرائيل وحدها هي من تستطيع إجهاض غضب الشارع وجهوزيته للتعبئة، بل أيضا الأداء السياسي غير الموفق أو المرتبك من ناحيتنا قد يفعل ذلك. وأول مسؤوليات الأداء السياسي لنا كقيادات هو أن نستمر في تعزيز أجواء الإرباك في صفوف الشرطة، وفي الحذر الكبير من بث أي رسائل اطمئنان أو عودة للمسار الطبيعي، والبقاء ملتحمين مع غضب الشارع، وملتحمين مع خطاب يغذّي هذا الغضب، ويمنع الشرطة من الخروج من حالة الارتباك، والتصريحات المتناقضة لإردان لا تدل فقط على عنصريته وعنفه، إنما أيضا على ارتباكه، بالتالي علينا أن نقرأ التناقضات في التصريحات الصادرة من المسؤولين كمؤشر ارتباك، وليس كمؤشر عنصرية فقط، وعلينا أن نقرأ في اضطرارهم لإصدار تصريحات إيجابية كمؤشر خشية وقلق.

في إستراتيجية العمل والمطالبة: بناء إجماع سياسي وخطوات تصعيدية وعلاقة ثقة مع الشارع

يحتاج حراك الشارع لصيانة ولفولذة وقودها الأفق الذي تطرحه السياسة، وليس فقط المعاناة التي تفرضها الدولة العبرية. ولا تبلور هذه السياسة عبر وسائل الإعلام ولا عبر استطلاعات الفيسبوك، ولا بقرارات فردية، بل من خلال جلسات ومباحثات جدية بين الأحزاب والحركات والنشاطات السياسية. ولنخرج من ضغط هل نجلس مع إردان أو لا نجلس، ولنمنع أن يدخلونا هم لأسئلة ولحيرة ولإرباكات. من يجب أن يكون في وضع ارتباك هو شرطة إسرائيل لا غير، مدركين كامل الإدراك أن الشرطة لا تحتاج لتعاوننا بل إنها تحتاج لـ"خطاب التعاون" وليس لكي تحارب الجريمة، بل لكي تستعمله كوسيلة لإعادة ترميم صورتها في الشارع، ولإعادة تطبيع وضعها ولبناء علاقة "ثقة" معنا، دون رصيد وبشكل خارجٍ عن السياق، وعلينا ألا نعطيها إياه.

لنجلس أولا بيننا كحركات سياسية نتفق في الإستراتيجية المطلوبة قبل أن (لا) نتّفق مع إردان.  والحذر كل الحذر، من العودة لخطاب التعاون و"الجلسات المكثفة" وترك خطاب التواطؤ. والحذر كل الحذر من الانفصام والقفز بين الخطابين، بل علينا الإصرار على خطاب ومنطق أن الشرطة لا تحتاج لتعاوننا، وأن العلاقة بين المواطن والدولة (الطبيعية، فما بالك بالعلاقة بيننا وبين الدولة العبرية) لا يحكمها مصطلح "التعاون" بل مصطلح "التعامل بالحقوق"، ومع كامل الإدراك أن العودة لخطاب "الجلسات المكثفة" "والتعاون" وانتقاد رفع العلم (رفع العلم يجب أن لا يكون سؤال أصلا، على المشتركة أن تأخذ قرارا إستراتيجيا أن حضور العلم بديهة، مشهد طبيعي، مشهدنا، عنوان رفضنا لإخراج توترات المواطنة من سؤال الهوية، وليس فقط عند الحديث عن الجريمة، بل أيضا عند الحديث عن الفلافل الذي يضعون علمهم فوقه. يعني الفلافل فوقه علم إسرائيل مفهومة هاي؟ أما الضحايا الفلسطينيين من الشرطة العبرية مش مفهوم فيها وجود العلم؟)، أي العودة للأدوات السابقة، معناه أيضا عودة المياه إلى مجراها السابق، ومعناه أيضا عودة الاطمئنان والشعور بالسيطرة لجهاز الشرطة.

نضالنا وغضبنا وخطابنا الصحيح وتواجدنا في الشوارع، لا يتحمل ذر الأوهام، بالضبط كما لا يتحمل شعور الوهن. وأداؤنا لا يتحمل جلسات غير مضبوطة بخطوات تصعيدية مدروسة، وإلا ستكون في اتجاه مجهض. والمرحلة الآن هي ليست مرحلة قطف ثمار، بل هي مرحلة مراكمة وقفز من حالة اطمئنان إسرائيلي لحالة إرباك، أو من حالة استهتار ورفض بخس لمطالبنا، إلى حالة من رد الاعتبار والجدية واحتساب تكلفة رفض مطالبنا.

لذا، مراكمة خطوات عمل واضحة، وإنجاح المظاهرات والخطوات التي أعلنت عنها المتابعة، والاتفاق بين المتابعة والمشتركة على خطاب وتحركات لا تسمح بأي اجتهاد فردي أو عفوي، والتصعيد والسيطرة تكون بأن نعلن نحن أنه لن تكون هنالك أي جلسة قبل إعلان الشرطة عن بنود خطة الطوارئ مجدولة زمنيا، وفقط بعد ذلك ندرس الجلوس مع الشرطة، وحتى ذلك الحين المظاهرات مستمرة. هذا ما يبقي حالة الغضب مشتعلة، ويحولها من تحرك غضب إلى حراك سياسي مع أفق ومع أهداف تصعيدية.