من الفهلوية إلى التربية الوطنية

من الفهلوية إلى التربية الوطنية

رامي منصور

تبدو السياسة العربية في الداخل في الفترة الأخيرة أسيرة مرتين: أسيرة جهات خارجية، وليست السلطة الفلسطينية فقط، تحاول ضبط إيقاع نضال الفلسطينيين مواطني إسرائيل، وتمييع هذا النضال لتحوله إلى حركة احتجاجية مطالبية منزوعة من السياسة، تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، بدلا من التنظيم الشعبي الوطني في الميدان؛ وأسيرة ثانية، لسياسات شعبوية تخاطب الناس عبر فيسبوك في محاولة لإيهامهم بأنهم شركاء في صنع القرار، لكن الهدف هو تضليلهم وفرض مواقف عليهم لتبدو لاحقًا على أنها "رأي عام" على القيادة الاستجابة إليه.

الجهات الخارجية كانت حاضرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إذ صرفت جهات أجنبية لم تكشف هويتها، ملايين الدولارات على حملات لرفع نسبة التصويت لدى الناخبين العرب، وجندت جمعيات صغيرة وكبيرة وشكّلن لها تحالفًا وهميًا لرفع نسبة التصويت، وشغّلت المئات في فترة الانتخابات، واستخدمت "إعلاميين" لترويج خطاب التأثير. وهذا "الكرم" لا يبدو أنه من باب الإعجاب بسواد عيون العرب، بل يحمل أجندة واضحة تؤكدها الممارسة، وهو إفراغ نضال الفلسطينيين من أي بعد سياسي، وإزاحتهم نحو "التأثير" على مركز صنع القرار الإسرائيلي كمصوتين فقط، وصناعة جمعيات تدعو للتعايش والنضال المشترك. والمثير هو أن هذه الأموال حملها ودار فيها البلاد شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبًا، من كانوا حتى الأمس القريب يحذرون من المال السياسي عند العرب.

هذه ليست سياسة وطنية ولا حركة مجتمع مدني، ولا مجرد تكسب، هذا نهج سياسي خطير يريد استخدام المصوتين العرب كأداة للتدخل في السياسة الإسرائيلية الداخلية، بحجة إسقاط بنيامين نتنياهو. والمقلق أن قيادات عربية منسجمة مع هذا التوجه وانخرطت به، بل نقلته إلى داخل القائمة المشتركة.

أما السياسات الشعبوية، فهي أن يسأل "قائد" متابعيه عبر فيسبوك إن كانوا يؤيدون اجتماع القائمة المشتركة مع وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، الخميس، بعد تصريحاته العنصرية في "راديو يروشلايم". هذا "القائد" لا يريد صلاة استخارة تدله على القرار الصواب، بل هو يؤيد اللقاء مع الوزير العنصري، ويريد تجنيد الرأي العام لصالح موقفه من باب "التشاور" و"المشاركة" في صنع القرار.

عدا عن الشعبوية، ففي ذلك استغفال واستحمار للناس، لأن "القائد" يجب أن يخرج للناس برأيه بصراحة، ويدافع عنه ويقنعهم به، بدلا من إجراء استفتاء أو "سؤال تفاعلي" على غرار الصفحات الترفيهية في انستغرام.

والأمران أعلاه مرتبطان ببعضهما البعض: أخلق مزاجًا عامًا من خلال التشاور عبر فيسبوك، عبر التضليل والتسطيح، وأصرف 50 ألف شيكل شهريا على الترويج في فيسبوك (وفي إطار الشعبوية نفسها، نسأل كم مسكينًا كان سيشبع هذا المبلغ الذي صرف لصالح فيسبوك)، ومن ثم أبرر قراري الذي اتخذته مسبقًا، بأنه استجابة للمزاج العام.

هذا باختصار التفاف وتضليل للرأي العام، وخرق لقواعد العمل السياسي، وأولها التشاور والنقاش مع الحلفاء السياسيين، وليس الالتفاف عليهم عبر فيسبوك والهروب للمزاج العام.

ويبقى الأخطر في هذه الممارسات هو التالي: منذ الانتخابات الأخيرة، وخطاب إسقاط نتنياهو والتأثير، مرورًا بالمظاهرات ضد الجريمة، حولت الحراك النضالي إلى شكليات ومقعر، مثل أن تريد أن تسقط نتنياهو وتتجاهل طبيعة النظام العنصري المسيطر من البحر للنهر؛ وأن تريد محاربة الجريمة وتستنجد بالشرطة وتتجاهل أن هذه الجريمة هي صنيعة النظام العنصري ذاته وليس مجرد فشل في أداء الشرطة؛ وأن تتجاهل الظروف الاجتماعية التي خلقها هذا النظام، مثل أن مجتمعنا يغرق بالفقر والديون، وأن هذا الفقر ليس بسبب تقليص مخصصات الأطفال بل بسبب مصادرة الأراضي وتدمير الزراعة ومحاصرة البلدات العربية، بينما تركز على نسبة الطلاب العرب في التخنيون أو عدد الأطباء العرب في المستشفيات الإسرائيلية. هذه السطحية تتجاهل مثلا نسبة تسرب الطلاب والطالبات العربيات من المدارس، ونسبة الحاصلين على شهادة التأهيل الثانوي (بجروت) من الفئة العمرية المحددة، وتتجاهل نسبة الفقر بين الأطفال العرب والنساء العربيات.

هذا الخطاب قد يصلح لبرامج تنمية بشرية في فضائية أو يوتيوب، ولا يصلح لبناء الذات القومية ومواجهة النظام العنصري الذي يستعمر البلاد من شرقها إلى غربها. هذا الخطاب يزرع الأوهام ويحصد اللايكات، ولكنه لا يصنع سياسة، ولا يحقق إنجازات حقيقية. هو خطاب "أناديكم وأشد على أياديكم لضغط لايك"، هو خطاب غارق في السطحية والنرجسية والانفصال عن الواقع السياسي، هو خطاب إفلاس سياسي لأنه يقوم على الفهلوة والتضليل ولا يطرح بديلا، بل يهرب بالناس إلى أحضان النظام العنصري بحجة التأثير عليه، مستغلا احتياجاتهم الوجودية للأمن الشخصي مثلا. هو استغلال لمشاكل واحتياجات الناس.

إذًا ما العمل؟ قد ينجح الحراك الحالي ضد الجريمة مثلا في إجبار الشرطة على اتخاذ إجراءات جدية لكبح الجريمة، لكنه قد يحول العلاقة مع هذه الشرطة العنصرية إلى علاقة طبيعية، طالما يهرب قادة من الخطاب السياسي والوطني. وقد تكبح الجريمة لكن ستبقى عنصرية الشرطة وعداؤها للعربي في أول احتكاك.

العمل يجب أن يكون من الجذور، بأن الشعور بالانتماء، ليس الوطني فقط بل الانتماء للبلدة أو القرية، تراجع، وأن حالة التذرير المجتمعي الذي خلقتها إسرائيل هي مصدر الجريمة وليس العكس. ولتعزيز الانتماء ولملمة الذرات سنحتاج إلى مشروع طويل الأمد: التربية الوطنية والهم الجماعي.

تفتقد كافة مدارسنا إلى حصص أو فعاليات للتربية الوطنية خلافا لما يحصل في المدارس اليهودية، التي يمر فيها الطالب اليهودي بتربية وطنية تبدأ بالحضانة ولا تنتهي بالجيش، تمامًا كما يحصل في الضفة وغزة من تربية وطنية رسمية وغير رسمية.

أما الهم الجماعي، فهو ما افتقدناه في العقد الأخير؛ فعندما يتراجع الانتماء فإن الشعور بالهم الجماعي يتبخر، وانعدام الهم الجماعي يظهر بانعدام التحرك الجماعي، خلافًا لما حصل في الأيام الأخيرة في المظاهرات ضد الجريمة.

الانتماء والهم الجماعي لا يصنعهما فيسبوك ولا التمويل الخارجي ولا الاستغفال والفهلوية ولا التفرد والنجومية، وإنما التربية الوطنية، ليس بمعناها الفولكلوري بل السياسي والاجتماعي، التي كانت مرة عصب العمل الحزبي. هل من برامج تربية وطنية في المدارس عندنا؟ حان وقتها.