معضلة لبنان

معضلة لبنان

رامي منصور

ليست الانتفاضة الشعبية الحاصلة في لبنان في اليومين الأخيرين شبيهة بأي من الانتفاضات العربية في العقد الأخير؛ وحتى شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" له وقع آخر لبنانيًا، لأن في لبنان لا مساحة محايدة بين المجتمع والدولة/ النظام، أو للدقة، بين الجماعات على مختلف انتماءاتها الطائفية والمذهبية والنظام؛ فهما متداخلان يغذي أحدهما الآخر، وأنتجا سياسات هوية طائفية، تمنع من جهة انفصال المجتمع عن الدولة أي تشكل مجتمع مدني بين هذين القطبين، وتمنع من جهة ثانية بناء دولة حقيقية.

قد يكون اليمن وليبيا أقرب إلى الحالة اللبنانية لجهة الاستقطاب المجتمعي، لكن تبيّن أنهما يفتقدان إلى مؤسسات قطرية وحزبية وتراث سياسي متوفرة في لبنان.

وحتى إن أخذت الانتفاضة اللبنانية منحى اقتصاديًا، إذ انطلقت شرارة الانتفاضة في أعقاب نية الحكومة فرض ضرائب جديدة على المواطنين في ظل عجز الدولة عن توفير أبسط احتياجات الناس، مثل الماء والكهرباء والطبابة والتربية؛ فإن هذا المنحى الاقتصادي يعكس فساد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، بلا استثناء، كما يقول المتظاهرون، الذي أوصل عجز الدولة إلى ما يزيد عن مئة مليار دولار.

وإذا كانت المشكلة اقتصادية، فمن الممكن حلها بإجراءات حكومية تقشفية كما حصل في اليونان، أو بحكومة تكنوقراط إصلاحية مثلا. لكن لا يبدو، بناء على التجربة، أن هذا هو الحل الأمثل، بل قد يكون مسكنًا للأوجاع حتى الأزمة المقبلة.

لذا، يبدو أن ما يحصل في لبنان هو معضلة حقيقية، لا يمكن حلحلتها بإجراءات أو باستقالة حكومة أو بوزراء تكنوقراط، ولا حتى بمجرد شعار إسقاط النظام، لأن النظام والمجتمع في لبنان متطابقان، أو متداخلان يعزز أحدهما الآخر؛ السياسي يبني مجده على سياسات هوياتية طائفية ومذهبية؛ والمجتمع يعبر عن تطلعاته السياسية بناءً على الانتماءات الفئوية الهوياتية. ورغم ذلك، ليست ثقة الشعب بالسياسيين والأحزاب في أفضل حالاتها، بل إن العجز السياسي وعجز الدولة يدخل المواطن في دهاليز التقسيمات الطائفية والمذهبية، لأن ماكينة الدولة تعمل وفق هذه التقسيمات والمحاصصات.

ومعظم أمراء الطوائف، سواء أكانوا سياسيين أو رجال دين، ينتفعون من هذه التقسيمات، وكذلك طبقة الواحد في المئة من المجتمع، التي تراكم أرباحها وثرواتها بموازاة تضخم عجز الدولة. وهذا يعني أن إسقاط النظام أمرًا ليس إجرائيًا ينتهي مع استقالة الرئيس أو رئيس الحكومة أو حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، لأنها ستفرز الأشخاص الطائفيين والفاسدين أنفسهم، طالما لم تتحول الانتفاضة الحالية إلى حراك سياسي منظم عابر للطوائف والمناطق يستطيع خلال فترة قصيرة خوض الانتخابات وقلب الموازين السياسية والحزبية.

كذلك لا يمكن أن تحل المعضلة اللبنانية من خلال صياغة دستور جديد مثلا، يمنع الاحتكار السياسي والاقتصادي، ويخضع المصارف لرقابة الدولة بشكل صارم، ويمنع المحاصصات الطائفية سياسيًا واقتصاديًا. ففي لبنان هناك بنك شيعي وبنك سني وآخر مسيحي؛ أما الإعلام، فهو جزء من المشكلة وليس الحل، حتى لو بدا أنه متعاطفًا مع الانتفاضة و"ركب على الموجة". بهذا الشكل يتداخل المجتمع والاقتصاد والدولة ببعضهم البعض، ليصبح فك الارتباط هذا مهمة عصية لا تنتهي بحل برلمان أو استقالة رئيس حكومة.

سيصح حال لبنان إذا ما وصلت النخب السياسية والطائفية إلى قناعة أن "ظهرها إلى الحيط"، وأن المحاصصة الطائفية لم تعد ماكينة صالحة للإثراء المالي والنفوذ السياسي، وأن تقوم بخدمة وطنية سامية، وهي تحرير المجتمع من سطوتها وهيمنتها وتقسيمها الطائفي والمذهبي له. لكن ذلك يبدو مستبعدًا، إذ لن يتنازل أمراء الطوائف عن ثرواتهم المالية والسياسية بهذه السهولة. في المقابل، لم يعد لدى المواطن اللبناني ما يخسره، فالطغمة الحاكمة على اختلاف انتماءاتها، أوصلته إلى أسوأ الأحوال، أو كما هدد رئيس التيار الوطني الحر، الوزير جبران باسيل، بأن استمرار الانتفاضة سيهبط باللبنانيين من الفقر إلى الجوع، وكأن الجوع هو فقط اشتهاء اللقمة، وليس أن تعمل وتكد 12 ساعة يوميًا لتوفر ثمن فاتورة الكهرباء.

حتى الساعة، لا يظهر أن النخب السياسية اللبنانية استوعبت حجم الغضب الشعبي، ولذا يحاول كل طرف تحميل الآخر مسؤولية الأزمة.

معضلة لبنان ستنتهي بفك الارتباط بين المجتمع والدولة من خلال فرط النخب السياسية التي هدفها بقاء الارتباط من خلال المحاصصة الطائفية، وهذا الارتباط هو من سمات الأنظمة الشمولية. والتعويل على الانتفاضة ليس بإسقاط الفساد الاقتصادي والدفع بالإصلاحات فقط، بل بخلق هذه المنطقة المحايدة بين الدولة والمجتمع، التي تحصن المجتمع من أمراض الدولة، وتحصن الدولة من أمراض المجتمع، وهي مهمة غير سهلة لكنها ممكنة.