ملهاة غانتس والعرب..

ملهاة غانتس والعرب..

رامي منصور

"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، والمؤمن هذه المرة هو القائمة المشتركة ومصوتوها، أما الجُحر فهو إعادة تكرار ملهاة غانتس قبل أسابيع قليلة، والنقاش وإشغال الرأي العام هنا بقضية التوصية بتكليف غانتس تشكيل الحكومة المقبلة، التي أفضت إلى لا شيء سوى تقديم التنازلات من قبل بعض مركبات القائمة المشتركة دون أي مقابل، حقيقي أو وهمي، ودون أي أثر حقيقي.

ويتوقع أن تعود ملهاة غانتس مرة أخرى في الأيام القريبة المقبلة، بعد تكليفه بتشكيل الحكومة، وتصريح مقربين منه لموقع "يديعوت أحرونوت"، اليوم الثلاثاء، أنه سيجري محادثات مع كل الكتل البرلمانية، بما فيها التي لن تدخل الحكومة، أي القائمة المشتركة.

لذا، من الأجدى لمركبات المشتركة وقادة الأحزاب أن تتعلم من التجربة الأخيرة بالتوصية على غانتس، الذي تبرأ وتنكر للقائمة المشتركة أو أي اتصال معها، وكأنها "رجس". والتعلم من التجربة ليس فقط لحفظ الكرامة، بل أيضًا لتجنيب الرأي العام نقاشات وسجالات على لا شيء حقيقي، مثل "بيع السمك بالبحر"، وحرف وجهة المعركة، من الاحتجاج والتظاهر ضد الجريمة وتواطؤ الشرطة، إلى لعبة مفاوضات بين الأحزاب الصهيونية، التي تُجمع معظمها على أن العرب ونوابهم ليسوا شريكًا شرعيًا في أي ائتلاف حكومي، وحتى دعمهم للائتلاف من خارج الحكومة.

وإذا كان لا بد من توضيح ما هو واضح، بأن تجربة الكتلة المانعة في فترة حكومة رابين كانت في سياق سياسي تاريخي مختلف كليًا، وهو التوجه نحو التسوية التاريخية بين منظمة التحرير وإسرائيل، فإن السياق اليوم يختلف كليًا.

وإذا كان ما ورد أعلاه من باب الجدوى البراغماتية، فإن الأسباب المبدئية لا تقل أهمية، وهي أن دعم حكومة جنرالات من داخل الائتلاف الحكومي أو خارجه هي شرعنة وتطبيع مع الجرائم التي اقترفوها، وانغماس كامل في اللعبة السياسية الصهيونية. هذا دون تجاهل أن أحد ركائز الائتلاف إن تشكل، سيكون العنصري أفيغدور ليبرمان، الذي لا يتردد في إطلاق تصريحات معادية للعرب، ولا يتردد في وصف نواب المشتركة بداعمي الإرهاب، ويدعو إلى "ترانسفير مقنع" من خلال سحب مواطنة عشرات الآلاف من العرب في المثلث.

إن مجرد الاستعداد للدخول في هذه الملهاة ليس من باب إدراك "مكامن التأثير" للمواطنين العرب في الساحة الإسرائيلية، بل هو تكريس لحالة الانقسام الفلسطيني وخصخصة قضاياه الوطنية، قضايا غزة وقضايا داخل وقضايا ضفة وشتات وقدس... وهو إمعان في تجاهل مأساة فلسطينية ممتدة سنوات وهي حصار غزة، التي كان غانتس قد تباهى بقتل آلاف الفلسطينيين هناك.

سيكون هذا إمعانا في التنازل عن الخطاب الوطني والسياسة بمعناها النضالي، وغرقا في مناورات وهمية في السياسية الإسرائيلية، يستخدم فيها غانتس القائمة المشتركة كبعبع للضغط على الليكود وأحزاب اليمين، للإيهام بأنه مستعد لتشكيل "حكومة أقلية" تستند إلى أصوات النواب العرب.

نرجو ونأمل ونتمنى، أن توفر قيادة المشتركة على الناس ملهاة غانتس، وأن تستمر في العمل على توسيع الاحتجاجات والمظاهرات ضد الجريمة وتواطؤ الشرطة، وأن تسيس قضايا الناس واحتياجاتهم الحقيقية وتحولها من حركة احتجاجية مطالبية إلى حراك وطني شعبي مسيس، ذلك أن بيع وهم التأثير الجدي في السياسة الصهيونية ستكون له تبعات خطيرة، أولها أن الناس ستفقد الثقة بالسياسة والسياسيين التي لن تستطيع تسديد فاتورة الوعود بالتأثير الحقيقي؛ وثانيًا، إغراق الناس بنقاشات تقلل من وحدة المجتمع بدلا من تجميعه وحشده للنضال من أجل القضايا الوطنية الحقيقية، أولها العنف وليس آخرها قضايا الهدم والمسكن والأرض والفقر والديون.

نتمنى أن يتنازل قادة في المشتركة عن ملهاة البث المباشر في "فيسبوك"، وأن يعودوا إلى الواقع والتمييز بين سياسة التمني وبين سياسة الأمل؛ الأولى هي تمنٍ لا علاقة له بالواقع، والثانية تنطلق من الإدراك والوعي بالواقع السيئ الذي يعيشه الناس.

سيكون مستغربًا جدًا، أن نعول على السياسة التقليدية واللعبة البرلمانية وملهاة غانتس، فيما الشعوب حولنا تترجم السياسة على أرض الواقع، بالخروج بالملايين للتظاهر وتجاوز سياسة "المرسل والمتلقي" أو "القائد والشعب"، حتى لو اكتشف بعضنا تقنية البث المباشر في فيسبوك مؤخرًا فقط ويعتبرها عملا طلائعيا.

تقدم الشعوب حولنا سياسة "شعبوية" من النوع الحقيقي بمعناها الإيجابي، إن جاز التعبير، أي ممارسة سياسية شعبية ميدانية حقيقية، وليس سياسة شعبوية تقول للناس "فوضوني فوضوني".