ماذا تلهمنا الانتفاضة اللبنانية؟

ماذا تلهمنا الانتفاضة اللبنانية؟

عوض عبد الفتاح

من غير الممكن معرفة مآلات الملحمة الشعبية التي يجترحها اللبنانيون واللبنانيات، سيّما الأجيال الشابة، لليوم التاسع على التوالي، خاصة بعد أن أعلنت ثلاثة أقطاب السلطة الرئيسيّة، على التوالي، رئيس الجمهورية، ميشال عون، ورئيس الحكومة، سعد الحريري، وزعيم حزب الله، السيّد حسن نصر الله، تمسكهم بالعهد، أي النظام السياسي القائم.

وينبع الخوف على مستقبل ومصير هذه الانتفاضة المعبّرة عن وجع وآلام الناس، من مآلات الموجة الأولى للثورات العربية التي تآمر عليها الداخل والخارج، وقمعت بوحشية مهولة. ولكن، ما بات مؤكّدًا، هو أنّ تاريخًا جديدًا يُكتب الآن للبنان، بأيدي جيلٍ جديد متمرد اختار طريق التحول نحو الفكاك من آفة الطائفية، والبدء بمسيرة طويلة وصعبة، ولكنها تُؤدي إلى مجتمع يقوده وطنيون ديمقراطيون، وليس لصوصًا وطائفيين ملوثين.

وإذا ما تمكّنت الانتفاضة الشعبية المُبهرة من الصمود، وتطوير زخمها وطريقة إدارتها والتمسك بشعارها السياسي الإستراتيجي، أي إسقاط النظام الطائفي، المعمول به منذ عام 1943، مصدر الفساد والتفرقة واللصوصية وتشويه المجتمع والفرد، لن يكون ذلك إنجازًا للبنان فقط، بل سيكون ملهمًا للعرب جميعًا، بما فيهم الفلسطينيون للنضال ضد طبقة فاسدة مرتبطة بالاحتلال. وتلهمنا، في المجتمع الفلسطيني، لمحاربة التعصّب العشائري والطائفي الذي يشكل أحد العوائق التي تحول دون نشوء المواطن الفرد والأمّة، ويضعف نضالنا ضد المستعمر.

كما أن هذه الانتفاضة هزّت ما بدا محصنًا من النقد، سواءً البنى الاجتماعية أو الرموز القياديّة، أُحيطت بهالة من القداسة لفترة طويلة بناءً على إنجازات حقيقيّة أو وهميّة تحققت على أيديهم. والحقيقة، رغم عدم توقف إيمان الكثير منا بأن الثورات العربية، التي سُحقت، ستتجدد، إلّا أنه لم يكن يتخيل أحد أن يكتشف اللبنانيون، مجتمعين، أن عدوهم هو الطائفية، وأنهم سيتحدّون أحزابهم وحركاتهم، ويتمردون عليها، ويلتقون في الميادين والشوارع كبحر هائج، من مئات الأُلوف، بهدف بناء الأمة التي تقوم على المواطنة والانتماء للدولة العادلة. وهذا درس، أيضًا، لنا، نحن الفلسطينيين، حيث تحولت الحمولة من مؤسسة اجتماعية تكافلية إلى أداة بأيدي الطامحين والطامعين في سلطة المجالس القروية والبلدية، ما ساهم في تشويه المجتمع والفرد، وقسمه وشرذمته، وأبعده عن السياسة، سواء في مجال بناء المجتمع، أو في مجال مقاومة المستعمر. مثلا، لم يعد القول بإقامة قائمة انتخابية عصرية فوق عائلية قويّة وقادرة على الوصول إلى سلطة البلدية، تستقطب الشباب من كافة الحمائل، هرطقةً، أو قولًا مثاليًا؛ ويجب التمعن في ظاهرة التحرر من الخوف وفي عملية تحدي الرموز، قادة الطوائف، الذين يفرضون سطوتهم على العامة أو هيبتهم، بحقٍ أو بغيرِ حقّ. نحن أمام جمهور واسع وممتد من الشباب العربي يلج عملية تحرر فكري ضخمة، يتعلم، ويتفاعل مع تجربته الذاتية والجماعية في جدلية منتجة وخلاقة.

تتصدر شعارات الحراك محاربة الفساد واللصوصية، التي أنتجها النظام الطائفي البغيض، بالإضافة إلى شعارات النضال من أجل إسقاط الطبقة السياسية.

طبعًا، ليست كل مركبات الحكومة اللبنانية متساوية في المسؤولية عن الفساد وفشل الدولة، وليس كل تاريخ لبنان المعاصر مثالب وبدون إنجازات، وإن كان البعض يختلف حول تقييمها، وليس كل لبنان سمير جعجع العميل الصهيوني، الذي يحاول أن يركب على الانتفاضة، وغيره من العملاء والفاسدين. لبنان بلد حرية الصحافة وحرية التعبير والثقافة والفن، لبنان احتضن الثورة الفلسطينية، لبنان أنتج المقاومة اللبنانية، التي حرّرت جنوبي لبنان من الاحتلال الصهيوني، عام 2000، والتي سطّرت صمودًا أسطوريًا في مواجهة عدوان المستعمر الصهيوني، عام 2006، ونقلت المعركة إلى جبهته الداخلية، فانتشرت شعبية حزب الله بين عموم شعوب الوطن العربي. ولكنّ تَوُرُّط الحزب في سورية وانحيازه للنظام السوري الذي أعمل القتل والذبح بصورة يفوق الخيال بالمتظاهرين السلميين، منذ الأيام الأولى، أي قبل انحراف الثورة إلى العسكرة القاتلة واستجداء التدخل الخارجي، أفقده هذه الشعبية. ليس هذا فحسب، بل بات يعلن جهارة تبعيته المطلقة لإيران، كمرجعية له، مُكرّسا للبعد الطائفي.

لإيران وزن في معادلة القوة ضد المحتل الإسرائيلي وعدوانيته، ولا بد من تسوية العلاقة بين العرب وإيران، كحلفاء وليس كأعداء، استنادًا إلى مبدأ الاحترام المتبادل، ونصرة الشعوب والمواطنين في معركتهم من أجل التخلص من الاستبداد وتحقيق التحرر الوطني.

للانتفاضة اللبنانية دلالات هامّة، بالنسبة لعلاقة حركة المقاومة بحقوق المواطن والحرية والاستبداد. إذ ليس صدفة أن تنتفض، أيضًا، بيئة حزب الله، في مدينة النبطية وغيرها، وتواصل الانخراط في هذه الانتفاضة الجبارة رافضة ما جاء في خطاب قائد الحزب، ومصرة على مطلب إسقاط العهد. فالمواطن اللبناني، سواء المؤيد للتدخل في سورية أو المعارض، قيل له إنّ "الانتصار" تحقق وتم القضاء على الإرهابيين بعد 8 سنوات من الحرب الدموية، ولكنّه وجد نفسه في حالة أشدّ فقرًا وبؤسًا وتعاسةً، بسبب تكريس نظام اللصوصية القديم، وفي مواجهة تبعات وجود عشرات آلاف اللاجئين السوريين الهاربين من إجرام النظام وحركات الجهاد الفاشية.

ليس حزب الله مسؤولًا عن وجود النظام الطائفي في الدولة اللبنانية، إذ ليس هو الذي أنشأه، وليس متهمًا باللصوصية، ولكن المنتفضين يعتبرونه جزءًا من النظام، ولم يقم بالدور المطلوب منه في مجابهة الفساد وفي العمل على تحسين ظروف الناس. لا يكترث الناس بشعارات المقاومة والممانعة إذا تركوا فريسة للذل، ذل الجوع والفقر، وذل التعرض للاستبداد والسحق في سجونه. وهذا الذل هو الذي فجّر غضب السوريين عام 2011، وأخرجهم بملايينهم بصورةٍ سلمية، بالضبط كما يخرج الآن اللبنانيون.

لم تُصْغِ الأنظمة العربية ومن يتحالف معها، لمن دأب على القول من خبراء، ومثقفين ومناضلين ديمقراطيين، أنّ الانتصار على العدو الخارجي، يجري عبر تحصين الداخل، أي تحقيق النهضة الداخلية، وضمان حرية المواطن وكرامته، وحقه في التعبير الحر، وفي مشاركته في اختيار ممثليه.

ليس الآن زمن تبادل المناكفات ولا تصفية الحسابات، بل إنه زمن المراجعات الجريئة، زمن الاقتراب من المواطن. لقد جسّدت الثورات العربية، منذ انطلاقتها، لحظة تاريخية وهذه اللحظة لا تزال تتجدد، في عديد الأقطار العربية، وستصل، ولو بعد حين، إلى أهدافها وإنَّ تجاهلها خطيئة، وانتحار ذاتي.