مؤتمر "جي ستريت" والمال اليهودي الأميركي ونسبة التصويت

مؤتمر "جي ستريت" والمال اليهودي الأميركي ونسبة التصويت

سليمان أبو ارشيد

يتساءل كثيرون عن العلاقة بين المال الأميركي الذي تدفق "علينا"، في الأيام الأخيرة لانتخابات الكنيست، وقلب المعادلة التي كانت سائدة في نسبة التصويت وبين مشاركة مجموعة من "عرب الداخل"، على رأسهم رئيس القائمة المشتركة، النائب أيمن عودة، في مؤتمر المنظمة الصهيونية الأميركية "جي ستريت"، إلى جانب شخصيات من السلطة الفلسطينية، أبرزها د. صائب عريقات، وبموازاة وفد إسرائيلي على رأسه رئيس الحكومة ووزير الأمن السابق، الجنرال إيهود براك.

وتعتبر منظمة "جي ستريت" الصهيونية، التي تأسست في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، نفسها البديل لمنظمة اللوبي الصهيوني "إيباك"، التي تتبنى سياسات صهيونية يمينية في أميركا ودعم الحكومة الإسرائيلية.

وتسعى "جي ستريت"، التي باتت تعتبر من أكبر المنظمات الصهيونية خارج إسرائيل، كما تقول في برنامجها، إلى "تنظيم البيت السياسي لمؤيدي إسرائيل، مؤيدي السلام الأميركي وتنظيم وحشد الأميركيين المؤيدين لإسرائيل" الذين يريدون أن تكون "إسرائيل آمنة وديمقراطية، ووطنًا قوميًا للشعب اليهودي".

وتؤكد أنها "تعمل في السياسة الأميركية وداخل الجالية اليهودية لمناصرة سياسات تعزز المصالح الأميركية والإسرائيلية المشتركة، والقيم اليهودية والديموقراطية، بما يقود إلى حل الدولتين للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني".

وكما في أي خلاف داخل البيت الواحد، فإن المنظمة الصهيونية "الجديدة"، ترى أن انزياح اللوي الصهيوني "إيباك" نحو اليمين من شأنه أن يضر بمصالح اليهود الأميركيين وبمصالح إسرائيل أيضًا، ولذلك تطلب تأسيس قطب جديد يحفظ التوازنات داخل الجالية اليهودية في أميركا، ويساهم في فرملة الانزلاق اليميني الذي تشهده إسرائيل.

وهذا ما يفسر دعم المنظمة للمعسكر المناهض لليمين داخل إسرائيل، والذي يقوده بيني غانتس، وتشكل القوة الانتخابية للعرب جزءًا منه، ما يقتضي، على ما يبدو، ضرورة صيانتها ورعايتها وتقويتها من خلال التصدي لحملات مقاطعة الانتخابات وزيادة نسبة التصويت بين العرب، بكل ما يتطلبه ذلك من إغداق أموال وذلك كشرط لتقوية هذا المعسكر وتعزيز قوته.

وقد توافق هذا التوجه مع رؤية البعض، الذي لا زال يحلم بالمعادلة الغابرة التي شكل فيها العرب جزءًا من الجسم المانع في عهد حكومة رابين، دون الالتفات إلى التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي واضمحلال ما كان يسمى بمعسكر السلام، وحقيقة أن الانقسام الذي تشهده الساحة السياسية الإسرائيلية، اليوم، لم يعد له علاقة بالقضية الفلسطينية التي تشكل إجماع صهيوني حول حلها، تصفيتها بالأحرى.

هذا التحول داخل المعسكر (الذي يريدون حشرنا داخله)، تبدى في التخلي عن برنامجه السياسي الذي اعتمد في السابق على الشراكة مع الفلسطينيين على أساس حل الدولتين، وانسحب أيضًا على الموقف من الشراكة مع الأحزاب العربية وعدم الاستعداد للاعتماد على أصواتها لتشكيل الحكومة، على غرار ما فعل رابين عام 1992.

ويكفي أن يلتفت صائب عريقات وأيمن عودة حولهما، ليريا من هو محاورهما الذي استضافته "جي ستريت" من الجانب الإسرائيلي، غنه ايهود براك مصمم مقولة "عدم وجود شريك فلسطيني" والمسؤول الأول عن دفن عملية السلام وحل الدولتين.

من يتعامى عن التغيرات العميقة التي ضربت المجتمع الإسرائيلي وقلبته رأسًا على عقب، ويعتقد أنه يواصل درب ياسر عرفات وتوفيق زياد، (رغم تحفظنا على سياستهما)، عليه أن يتذكر أن عرفات حوصر وقتل من قبل حكومة وزير أمنها من حزب العمل، فيما لم يمهل الموت توفيق زياد حتى نسمع تعليقه وهو يوضع من قبل لبيد في خانة الـ"زُعبيز" غير المؤهلين لدعم الحكومة.  

والحال كذلك، لا ندري من أجل ماذا كسر المشاركون الفلسطينيون في مؤتمر المنظمة اليهودية الأميركية المذكور، وعلى رأسهم أيمن عودة وصائب عريقات، قرار حركة المقاطعة (بي دي إس)، التي دعتهم للامتناع عن "إيذاء النضال الفلسطيني والانسحاب فورًا من هذا المؤتمر الصهيوني، باعتبار مشاركتهم  تخرق معايير التطبيع".

ولماذا لم يحفل هؤلاء بكون تلك المنظمة (جي ستريت) تشن حربًا على حركة المقاطعة (بي دي إس)، وتقوم بتعبئة ممثلي وأعضاء الكونغرس لدعم تمرير القرار الذي يدين حركة المقاطعة، بالإضافة إلى نشرها معلومات مغلوطة حول مبادئ الحركة ومنطلقاتها في دعم الحرية والعدالة والمساواة، كما أكدت حركة المقاطعة.

ولماذا لم يأبهوا بكونها تنكر حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتؤيد قانون العودة الإسرائيلي الذي يتيح ليهود العالم الهجرة إلى فلسطين، وتدعم التوسّع الاستيطاني والتطهير العرقي في القدس، وضمّ المستعمرات والتكتّلات الاستيطانية، لماذا لم يأبهوا لكل ذلك وولوا إلى واشنطن مهرولين؟