عملاء وخوَنة بالنّسبة لشعبهم

عملاء وخوَنة بالنّسبة لشعبهم

سهيل كيوان

كي تكون الشرطة جدّية في القيام بواجبها، يجب أن تكون  برجالها ونسائها من أبناء وبنات الناس الذين تخدمهم، لينطبق في هذه الحالة، القول المعروف، بأن "الشرطة في خدمة الشعب"، ولكن عندما تكون الشرطة من خارج البيئة والمجتمع الذي تخدمه، فهي تتحول إلى شرطة النظام، وتقوم بعمل وظائفي بدون أي إحساس أو عاطفة تجاه الناس، وعندما تعمل في وسط مجموعة قومية أخرى مثل العرب الفلسطينيين في إسرائيل، فهي تؤدي عملها بشعور مُعادٍ لهم في جوهره، ولا يحركها سوى أداء مهمات وتوجيهات عليا، مقابل راتب في أول الشهر، بحيث يصبح الشرطي عبدًا مأمورًا، وفي كثير من الأحيان يؤدي عمله بعدائية، بل وقد يتحمس إذا ما أُنيطت به مهمة قمع فرد من هذه المجموعة القومية التي يعتبرها خصما، بل ذهب البعض من الوزراء إلى الصراحة، ووصفوا المواطنين العرب بالأعداء، فماذا سيكون شعور شرطي يخدم في وسط أعدائه؟ أليس التربص بهم والشعور باللامبالاة تجاه مصائبهم من منطق"فخار يكسر بعضه"!  

الشرطي أو الجندي المنتمي يبكي وهو يتقبل وردة أو قبلة من أهله المتظاهرين كما رأينا في بيروت، أو القاهرة، أو بغداد، أو الجزائر، أو تشيلي، أو هونغ كونغ، فهناك ترى علاقة الهم المشترك بين رجال الأمن والمواطنين، ولهذا السبب بالذات تدأب أنظمة القمع على إرسال قوى الأمن إلى مناطق بعيدة عن أمكنة سكنهم، حيث الناس من غير قوميتهم، أو من غير دينهم وطائفتهم، وتُعِد وحدات خاصة تتدرب لفترات طويلة على الفظاظة والقسوة، وتتعرض لعملية غسل دماغ مستمرة كي ينزعوا الرحمة من قلوب أفرادها.

لهذا السبب نجد أنفسنا نحن، فلسطينيو الداخل، في مأزق كبير، لأننا بحاجة ماسة إلى الشرطة لتحقيق الأمن، فقد أصبح مجتمعنا يعد مليونا ونصف مليون إنسان، وفيه -مثل أي مجتمع- الكثير من الأشرار الذين يجب ردعهم.

لا توجد مجتمعات مثالية تستغني عن الشرطة، فالشرّ في طبع البشر، ومنذ الفراعنة الأوائل أقيم "جهاز شرطة"، لحماية الفرعون وحماية المقابر من السرقة لما تحويه من ذهب، وكذلك لتوزيع مياه النيل بين الناس بالعدل.

رأس الهرم في جهاز الشرطة في البلاد، يرى في أبناء مجد الكروم، وطرعان، وكفر مندا، وعيلوط، وكفر قرع، وعكا، وغيرها من بلدات عربية، بؤرا للممارسة العدائية للدولة.

من ناحيتنا نحن العرب، لا نرى في العاملين في جهاز الشرطة أناسا أبرياء، بل نعتبرهم قوة قمع معادية لنا، لأننا نراها كيف تواجهنا خلال مظاهرة تطالب بحق ما من حقوقنا، أو خلال عملية هدم لبيت عربي غير مرخص، ونعرف كيف تعامل شبابنا في الأمكنة العامة إذا ما أخطأ أحدهم، وأحيانا دون أن يخطئ، وكيف تنحاز تلقائيا ضدهم إلا في ما ندر، ولهذا توجد هوة كبيرة من الشكوك وعدم الثقة بين الطرفين، وهي في تفاقم مستمر، طالما أن حدة الصراع القومي بين شعبنا الفلسطيني والشعب الإسرائيلي، في ازدياد.

الجهاز الشرطويّ منبثق عن مجتمع عنصري، وأكثر من نصفه يدعو لعدم مساواة العرب، وقسم كبير منه يدعو للضغط علينا لترحيلنا، ولهذا يرى هذا الجزء الكبير من المجتمع اليهودي، في العنف المنتشر بين العرب مكسبًا إستراتيجيا لـ"يهودية الدولة"، لأن هذا العنف يؤدي إلى إشغال العرب بعضهم ببعض، ويستنزف جهودهم ووقتهم وأموالهم ويحرفهم عن مسار التقدم والمنافسة الحضارية المفترضة في مجتمع طبيعي معاصر، ويجعل منهم مجتمعا ضعيفا منقسما ومهشما ومهمشا، تحكمه عصابات إجرام منظم.

من جهة أخرى، إن أكثرية شعبنا ترفض التعاون مع الشرطة، والأكثرية تخشى التقدم بشكاوى ضد المجرمين، وذلك لأنهم يشعرون بعدم الحماية، وكثيرًا ما يُعاقب المتعاون مع الشرطة في مجال كشف جريمة ما بالتهديد وتخريب معيشته وحتى بقتله أو إصابته.

لن يتحسن أداء الشرطة في الظروف الحالية، في ظل الشكوك والعداء المتبادل بين شعبنا والشرطة في ظل الصراع القومي المتفاقم. السؤال هو، ما هي البدائل التي يمكن أن نطورها لحماية مجتمعنا في ظل انعدام الثقة بين الشرطة وبين المواطنين العرب، وعدم رؤية أفق واعد بقيام الشرطة بما يجب أن تقوم به؟

لا توجد حلول سحرية، وقد تزداد معاناتنا، ولكن الحياة لا تتوقف، والشعوب الحية تبدع في خلق أدواتها لحماية نفسها ومواجهة ومعاقبة من يقفون عثرة في طريق استقرارها وتقدمها.

أما إزاء طبيعة الموقف المحيط بنا وما تخطط له السلطة، يجب التأكيد على أن القتلة وحملة السلاح والمتاجرين به هم عملاء للسلطة، وخونة بالنسبة لشعبهم ومجتمعهم، ويسعون بقصد وسبق إصرار إلى تخريبه وتهشيمه بتواطؤ ورضى من أسيادهم في السلطة مباشرة أو غير مباشرة، وهم يدركون ذلك جيّدا، وهذا لنيل مكاسب شخصية وأنانية على حساب أمن ومستقبل أجيال من شعبنا، لذا يجب نبذهم وتصنيفهم على أنهم عملاء خطيرون مثل جماعة الجنرال أنطوان لحد، وجيش سعد حداد، مع فارق جوهري، هو أن هؤلاء القَتلَة والمنخرطون في عالم الجريمة هذا، أخطر لأنهم يدمرون مجتمعنا من داخله لأنهم يعيشون بيننا وفي  حاراتنا وبيوتنا.