من الذي يحقّ له الاحتفاء بذكرى ميلاد الرسول؟

من الذي يحقّ له الاحتفاء بذكرى ميلاد الرسول؟

سهيل كيوان

احتفل العالم العربي والإسلامي قبل يومين بذكرى مولد الرسول محمد، فرأينا الفرق الكشفية تجوب القرى والمدن العربية احتفاء، ورأينا من يوزعون الحلوى في الشوارع، وأقيمت محاضرات كثيرة في المدارس والمراكز الجماهيرية، ورأينا فضائيات تبث المدائح النبوية، وتحكي عن حياة الرسول وأخلاقه الرفيعة، ومقولته الخالدة: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

هنالك الكثير من القصص المؤثرة في حياة الرسول، ولكن نستطيع اختصار سيرته ومزاياه بحديث شريف واحد: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه". هذا الحديث ورد بالمعنى ذاته في التوراة وفي الإنجيل، وممكن أن نلمسه في ديانات أخرى كالبوذية والهندوسية وغيرهما، لأن هذه هي القاعدة الذهبية للخلق القويم التي تصلح لكل زمان ومكان ولجميع أبناء بني البشر.

فقط عندما تحب لغيرك ما تحب لنفسك، تبلغ مرتبة المؤمن الحق، وهذا ينطبق في كل مجالات الحياة الاجتماعية، من كذب ونميمة ونفاق واستقواء واستهتار واستغلال وغيرها.

إذا كنت تغضب لأن إحداهن اتهمتك ظلما بالتحرش الجنسي، فلا تسرع بنقل كلام عن آخرين يتّهِمون أحدهم بالتحرش الجنسي، لأن بعضها قد يكون كذبًا وله مآرب قد تكون سياسية، أو حسابات شخصية، وقد تكون الحقيقة بعيدة جدًا عما يُنشر.

إذا كنت لا تحب أن يتناقل الناس صورك أو صور بناتك أو زوجتك أو حبيبتك أو شقيقك أو شقيقتك أو ابنك في أوضاع مخلّة، فلا تتحمس لنقل صور الناس وفضحهم، لأن للآخرين مشاعرهم وكراماتهم وأسرهم التي قد تنهار بينما "حضرتك" تتسلى وتلعب، وهذه القاعدة تنطبق في السياسة كذلك.

إذا كنت لا تقبل العيش براتب يبلغ ألف دولار في الشهر، وتعتبر أن ذلك إهانة لك، وأن ذلك هضم لحقوقك كموظف أو عامل، فلا تقبل لغيرك (في لبنان مثلا)، أن يرضى بالعيش بأقل من هذا بكثير، ولا تقبل على نفسك بأن تتهم من يثور مطالبا بحقه في حياة كريمة بأنه يخدم الاحتلال والأجندات الصهيونية والإمبريالية وغيرها من ترّهات.

أنت لا تحب أن يتهم أحدٌ ثورة شعبك وانتفاضاته على الاحتلال وعلى الممارسات العنصرية بأنها مستوردة ومفبركة، وبأن هناك من يدفع للفلسطيني دولارات كي يتظاهر، فلا تتهم ثورات الآخرين بأنها من صناعات هذه السفارة أو ذلك السفير والعميل، وبأن هؤلاء قابضون ثمن انتفاضتهم، كما يدعي كثيرون ممن يحتفلون بميلاد الرسول وآل بيته تجاه ثورات العراق ولبنان وقبلها مصر وسورية.

أنت لا ترضى أن تُتّهم تضحيات شعبك بأنها تمثيليات، ومن يضحّون بأرواحهم بأنهم يمثلون من أجل تلميع أنفسهم، فلا تتهم تضحيات شعوب أخرى بأنها تمثيليات وتلميع صور.   

أنت تغضب إذا اتهمك أحدهم بالخيانة لمجرد اختلافك معه بالرأي في موقف ما، فلا تتهم غيرك بالخيانة لمجرد نيّتك باستفزازه أو للانتقام منه سياسيا أو لخلاف شخصي، ولا تتواطأ مع تهمة كهذه بالصمت، حتى لو كانت ضد أعتى خصومك.

إذا كنت لا تتقبل قمع شعبك المطالب بحريته، وترفض الاعتداءات عليه من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال، فلا تنكر على الشعوب العربية وغير العربية حقها في الحريّة والعيش بدون فاقة وفقر وفساد، وإذا كنت تقيم الدنيا لاعتقال وعزل ابنك أو خالك أو عمك أو صديقك لمدة أسبوعين في معتقلات الاحتلال، فلماذا ترضى بأن يُسجن سوريون ومصريون وإيرانيون ومغاربة بعشرات الآلاف بدون محاكمة أو بمحاكم صُوريّة، بل وتتواطأ مع روايات الأنظمة وتصدّقها وتكرّرها كالببغاء، حتى عندما يؤدي هذا إلى موت الكثيرين منهم تحت التعذيب

الشعوب لا تأكل ولا تشرب الشعارات، فلا تقبل الشعارات الكبيرة مثل شعار "تحرير القدس"، الذي يطلقه البعض غطاء ورضى وصمتا على قمع الشعوب.

في العالم الإسلامي عشرات ملايين الجياع والمضطهدين، والسجون مكتظة بالأبرياء المسجونين في ظروف قاسية، وعلى رأسها بلدان يُدعى حاكم إحداها "خادم الحرمين الشريفين"، وحاكم الثانية يلقّب بـ"آية الله".

المحتفون بذكرى الرسول الكريم حقًا هم أولئك الذين يناصرون الضعفاء ويسعون لرفع الظلم عن بني البشر، هم أولئك الذين يرفعون أصواتهم بكلمات الحق في وجوه الظالمين، هم أولئك الذين يحرصون على المُلك والمال العام ويعتبرونه وقفًا وحرامًا.

هناك من يحتفلون بميلاد الرسول وأيديهم ملطخة بدماء آلاف الشهداء والجرحى من العراقيين خلال أقل من شهرين. هؤلاء قُتلوا بنيران نظام مدعوم ممن يلقب نفسه بآية الله، وزعم أن "انتفاضتيّ العراق ولبنان تعرقلان تحرير القدس"، أما النظام السعودي فدوره معروف ومفضوح في معاداته لكل حركات الحرية والعدل في الوطن العربي والعالم، اجتماعيًا وسياسيًا.

أيها الظالمون والظلاميون من كل لون وصنف، لستم أخوتنا ولستم بمؤمنين، وسنحتفي بميلاد الرسول بفرح كبير، عندما ترحلون وأنظمتكم المجرمة المتعفّنة.

اقرأ/ي أيضًا | المثالية عدوٌ خطير...