غزة: إسقاط الاستفراد

غزة: إسقاط الاستفراد

عوض عبد الفتاح

حق مقاومة الظلم هو حق راسخ لكل فرد وكل مجموعة وشعب. لقد تم ترسيخ هذا المبدأ في الوثائق الدولية، لكون أنظمة القهر لا تتنازل بمحض إرادتها عن قهرها للشعوب، ووسائل المقاوِمة متروكة للشعب نفسه، هو يقررها ويحدد طبيعتها وتوقيتها. وغالبًا، تحدد طبيعة رد النظام على مطالب الناس، سواء كان نظامًا استبداديًا أو استعماريًا أو كولونياليًا، تحدد طبيعة ردّ المقهور. ولكن، قيادة الشعب المقهور تتحمل، ليس فقط مسؤولية التصدي للقهر، بل أيضًا المسؤولية عن تبعات وسائل وإستراتيجيات النضال التي تعتمدها. ما معناه، يحتاج الأمر إلى شرطين؛ الإرادة والشجاعة، والحكمة وحسن التخطيط.

في الحالة الفلسطينية، وفي ظل تمادي المستعمر وتوحشه، وفي ظل سعي فريق أوسلو الذي تنصل من مبدأ المقاومة حتى الشعبية منها، وفي ظل المخططات الأميركية والصهيونية وأنظمة الخيانة العربية، لتقويض فكرة فلسطين كقضية ووجود لشعب، يحتاج شعب فلسطين وحركته الوطنية إلى من يبقى لديه القدرة على الرفض وإرادة المقاومة. وقد مثل هذا الطرف المقاوم الموجود في قطاع غزة حتى الآن مصدر تهديد لاستقرار الأمن لدى الكيان الإسرائيلي، أو لجزء من مستوطنيه، وخاض دفاعًا عن موقفه ثلاث معارك فُرضت عليه ولم يختارها، سطر فيه مقاتلوه صمودًا أسطوريًا، وأظهرت قياداته رباطة جأشٍ لافتة، وتحمل أهالي قطاع غزة ما لا تتحمله الجبال.

 المشكلة هو أن كل هذه الحروب والثمن الهائل الذي دفعته المقاومة على صعيد المقاتلين والقيادة، والعدد الهائل من الشهداء من المقاتلين ومن المواطنين العاديين، لم يؤد إلى نتاج تدفع إلى رفع الحصار، أو إلى إعادة الوحدة إلى الشعب الفلسطيني. لقد واجه، ولا يزال يواجه قطاع غزة وحركة مقاومته، عدوًا متوحشًا يقتل ويدمر دون أدنى رادع. لقد فاقمت التطورات العربية والإسرائيلية، والدولية من أزمة حركة المقاومة في قطاع غزة، وجاءت إجراءات أبو مازن العقابية لتحول الحالة الفلسطينية إلى حالة سوريالية، وأفرزت هذه السياسات أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، أدت إلى احتقان الناس ليس فقط ضد المستعمر الصهيوني، بل ضد السلطة في غزة، إذ فشلت في تقديم بديل وطني لحركة فتح، وفشلت في إقامة حكم مشترك جذاب للناس، وهو ما يحتم عليها التعامل بجدية مع هذا الواقع المتأزم.

وقد باءت كل محاولات حركة حماس، تقريبًا، للخروج من هذا المأزق المتشعب، من خلال المناورة مع الأطراف الإقليمية والدولية. كان الهدف الإسرائيلي منذ البداية، إسقاط حكم حماس من خلال تأليب الناس داخليًا عليها. وفي إطار السعي إلى تحقيق هذا الهدف، استخدمت إسرائيل سياسة فرق تسد من خلال الإبقاء على سلطة رام الله، التي تلتزم بالتنسيق الأمني، ومؤخرًا من خلال إيجاد تفاهم غير مكتوب مع حركة حماس بخصوص إدارة القطاع، الذي يشكل تاريخيا عبئًا على إسرائيل.

هذا ليس جديدًا في تاريخ الأعداء، إذ يجدون أحيانًا تفاهمات حول مصالح مشتركة، ولكنها مختلفة في الأهداف.

الهدف من هذه السياسة الإسرائيلية في الحالة الفلسطينية، هو السيطرة على الطرفين؛ وهما الفلسطينيون في الضفة والفلسطينيون في قطاع غزة. وهكذا، ترسخ الانقسام وتمأسس وامتد حتى اليوم، دون أن يتمكن أي طرف فلسطيني أو عربي أو دولي، من إنهاء هذا الشرخ المدمّر.

الجديد في الحالة الفلسطينية، والذي هيمن على التداول الإعلامي والسياسي الإسرائيلي، وكذلك الفلسطيني أيام العدوان الأخير، هو ما بدا وكأن سياسة الاستفراد الإسرائيلية طالت صفوف المقاومة، أي بين حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وهو أمر من شأنه أن يبعث الرعب في صفوف الفلسطينيين، إذ يظهر وكأن الإستراتيجية الصهيونية تحقق إنجازًا مهمًا آخر، رغم أن المقاومة، ودون لأن تُفعّل كل ما لديها من وسائل، تمكنت من شلّ الحياة في نصف إسرائيل. ليس الأمر كما تصوره إسرائيل، وإن حصل تباين في الرأي وبالنهج بين الفصيلين، ويمكن إن استمر لأن يُحقق الرغبة الإسرائيلية. لكن، يجدر هنا عدم الوقوع في سوق المزايدات، التي يغذيها المستعمِر الإسرائيلي، ونحن نحتاج إلى التعامل مع واقع فلسطيني مركب، يتحمل المسؤولية الرئيسية عنه الحصار الإجرامي والتحالف الدولي المعادي لفلسطين.

 كل ما أردنا قوله، هو ضرورة رؤية إلى أين يمكن أن تتدحرج الحالة الفلسطينية، وداخل القطاع عينه، خصوصًا بعد هذه التطورات الأخيرة. فمن يدير القطاع يدرك خطورة الوضع الداخلي، وبالتالي فإن المخرج يحتاج إلى تفكير آخر مختلف، قبل فوات الأوان. والتفكير يجب أن يعيد تأطير مفهوم المقاومة، ضمن مفهومها الشامل ومتعدد الأشكال، وخاصة النضال الشعبي.  لن يكون بمقدور الناس تحمل الخسائر البشرية الكبيرة بعد كل جولة قتال، التي لا تنتهي بأي إنجازٍ ملموس، بل ترسخ الحصار وتزيد من عزلة المقاومة.

 ما معناه أن لا خيار آخر سوى وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية والاستعداد لدفع الثمن لذلك، أي دفع ثمن الوحدة، من أجل مصلحة الناس، مصلحة شعبنا. ومقاربة الوحدة تحتاج إلى توجهٍ آخر غير الانتخابات، التي قد تزيد الانقسام والمأزق القائم.