هل الرأي العام الإسرائيلي يمينيّ بامتياز؟

هل الرأي العام الإسرائيلي يمينيّ بامتياز؟

أنطوان شلحت

إلى أي مدى تعبّر سياسة دولة الاحتلال الإسرائيلي عن الاتجاه الطاغي على مواقف الرأي العام فيها؟ هذا ما يحاول أن يجيب عنه معهد متافيم (مسارات) لدراسة السياسة الإسرائيلية الإقليمية، منذ عام 2013، من خلال المؤشر السنوي لسياسة إسرائيل الخارجية الذي يشمل استطلاعا واسعا.

ووفقاً لاستطلاع عام 2019 الذي نُشر قبل أيام، ثمّة منذ 2015 صعود مضطرد في مستوى رضى الرأي العام الإسرائيلي حيال مكانة إسرائيل في العالم وسياستها الخارجية (علامة 6 من 10)، بموازاة تعاظم ميله إلى ناحية استبطان الغايات العامة لهذه السياسة، كما دأب على صوغها وترسيخها رئيس الحكومة وزعيم اليمين، بنيامين نتنياهو، خلال سنوات حكمه منذ أكثر من عقد.

وفي ضوء ذلك، أعرب 57 بالمئة من الإسرائيليين عن اعتقادهم بأنه في حال تسلّم رئيس تحالف "أزرق أبيض"، بيني غانتس، مهمات رئيس الحكومة المقبلة لن يغيّر مفاصل السياسة الخارجية، وفي حال إقدامه على تغييرها فسيمس بالدولة. ومع أن القيمين على المؤشر الذين يتم تأطيرهم بأنهم "أقرب إلى مواقف اليسار"، يبرّرون هذا الميل بمسوّغ انعدام وجود بديل ناجع لهذه السياسة من المعارضة البرلمانية، فإنهم يتغاضون عن حقيقة أن أحد أهم أسباب انتفاء هذا البديل يعود إلى حالة التماهي شبه التام بين الحكومة والمعارضة.

ومن نتائج لافتة أخرى، لا بد من الإشارة إلى ما يلي: ازدياد نسبة الإسرائيليين الذين يعتبرون أن روسيا مهمة لدولة الاحتلال إلى درجة اعتبارها الدولة الثانية في سلم أهميتها بعد الولايات المتحدة؛ تعتقد أغلبية الإسرائيليين أن السعودية هي الدولة العربية الأهم التي على دولة الاحتلال أن تدفع بالتعاون معها؛ يعتقد معظم الإسرائيليين أنه في حال انطلاق عملية سياسية مع الفلسطينيين فإن الوسيط المفضّل إلى جانب الولايات المتحدة هو دول الرباعية العربية مصر والأردن والإمارات العربية والسعودية.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ننوّه إلى نتيجتين ذاتي دلالة: أن 61 بالمئة من الإسرائيليين يعتقدون أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ليس شريكاً للسلام، وأن أي حكومة إسرائيلية مقبلة يجب ألا تولي أهمية خاصة لعملية السلام مع الفلسطينيين. وأن 55 بالمئة من الإسرائيليين يعتقدون أن على المواطنين الفلسطينيين في الداخل القيام بدور مركزي أكثر في دفع عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية إلى الأمام، بينما يعتقد 45% أنه لا ينبغي لهؤلاء المواطنين أداء دور مركزي أكثر في بلورة سياسة الدولة الخارجية.

من شأن هذه المعطيات أن تعيد البريق إلى مقولة أن الرأي العام الإسرائيلي يمينيّ بامتياز، وأن القيادة الحاليّة مناسبةٌٌ له في هذا الزمن بتطابق تامّ. وهذا ما يجسّده أيضاً المُعطى المتعلق بعلاقات دولة الاحتلال مع الاتحاد الأوروبي، حيث يعتقد نحو نصف الإسرائيليين أن هذا الاتحاد بات خصماً لدوداً لدولتهم أكثر من كونه صديقاً داعماً.

وبرأي هؤلاء، ستبقى عودة الصداقة بين الجانبين مرهونة فقط بإعلان ساسة أوروبا أن علاقاتهم مع إسرائيل مهمة للغاية من ناحيتهم أولاً.

على الرغم ممّا تقدّم، اختير اللجوء إلى صيغة التساؤل في العنوان، لأنه في مقابل من يقول إن الشعب اليهودي كان يمينياً في أساسه، ومنذ البداية يتبنّى فكراً يقول إنه شعب مختار، وحيد وفريد، لا تنطبق عليه القواعد الإنسانية العامة، نجد من يدحض ذلك، ودليله الأبلغ على ذلك هو أزمة تأليف حكومة يمينية جديدة في إسرائيل، بعد جولتين انتخابيتين متتاليتين هذا العام.

في واقع الأمر، نتائج هاتين الجولتين، بقدر ما إنها تعكس مواقف الرأي العام، أثبتت مسألتين ترتبطان بجوهر الإجابة عن تساؤلنا: أن احتمالات تأليف حكومة بقيادة من يوصف بأنه "يسار" ضئيلة للغاية. وأن الأحزاب التي تُدرج في خانة ذلك اليسار كانت على وشك التبخّر لولا لجوؤها إلى عقد تحالفات مع قوى سياسية يمينية، وبدت تهمس وتثرثر كاليمين، حتى وإن طالبت بأن تُعَامَل كيسار.