القائمة المشتركة: استخلاص العبر

تحليل || القائمة المشتركة: استخلاص العبر

عرب ٤٨

أقر أمس قادة في "كاحول لافان" أنهم لم يعتزموا بجدية تشكيل حكومة ضيقة بدعم من نواب عرب من القائمة المشتركة، وأن الهدف من تسريب إمكانية كهذه كان للضغط على بنيامين نتنياهو خلال مفاوضات تشكيل حكومة إجماع صهيوني. وهذه التصريحات التي نقلتها أمس هيئة البث الإسرائيلية (كان) أكدت المؤكد، وهو ما حذر منه كثر، بأن هذا التحالف يستغل القائمة المشتركة لتحسين شروط المفاوضات مع الليكود، وحوّل الناخبين العرب إلى أداة بيد حزب الجنرالات.

ومع فشل بيني غانتس بتشكيل الحكومة وإعادته للتفويض، أصبحت الحقائق واضحة غير قابلة للتأويل، وهي أن حسابات قادة 3 مركبات في المشتركة، الجبهة والحركة الإسلامية والعربية للتغيير، كانت مجازفة وقراءة غير صحيحة للخارطة السياسية الإسرائيلية، تصل إلى حد السذاجة أحيانًا، لجهة التعويل على شراكة مع حزب يقوده رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي، ويعرف نفسه على أنه حزب "يمين – وسط"، ويسعى للإطاحة بنتنياهو ليس بسبب ممارساته تجاه الفلسطينيين أو تحريضه ضد المواطنين العرب مثلا، بل بسبب فساده الشخصي وإضعافه لمؤسسات الدولة مثل جهاز القضاء وغيره.

استعداد قيادات في المشتركة دعم حكومة يشارك فيها ليبرمان، هو انقلاب على رغبة الناخب العربي

ومنذ قرار التوصية على غانتس لتكليفه بتشكيل الحكومة، بدت القائمة المشتركة مندفعة إلى مسار غير مسبوق، بلا ضمانات، لدرجة أن "كاحول لافان" رفض إجراء اتصالات علنية مع المشتركة أو حتى الإعلان عن وجودها رسميًا. وهذا المسار الذي دخلت فيه المشتركة، بادعاء تنفيذ التعهد خلال الانتخابات الأخيرة، بإسقاط نتنياهو و"تأثير أكبر"، كان واضحًا منذ البداية بأنه رهان على سراب، ورهان متعجل لأنها، أي المشتركة، لم تصغ خارطة طريق في الحقيقة، أو مطالب دقيقة وجدية أو خطة عمل واضحة، وقامت بتقديم تنازلات مجانية في قضايا مبدئية مثل الاستعداد لدعم مرشح يتفاخر بقتل الآلاف من الفلسطينيين في غزة ويتوعد بالمزيد.

رغم هذه التنازلات، لم نسمع من قادة "كاحول لافان" أي موقف حقيقي ضد التحريض على المواطنين العرب ونوابهم من القائمة المشتركة، بل سمعنا مواقف مواربة، لا تصل إلى درجة "رفع العتب" حتى، أي عدا عن كونه سلوكًا عنصريًا، ففيه أيضًا استعلاء وتقزيم لجهود بعض قادة المشتركة الذين عملوا على بناء شراكة مع هذا التحالف.

ولأننا نعي ونقدر أهمية القائمة المشتركة كونها حازت على ثقة قرابة نصف مليون مصوت عربي، فإننا نرى أن استعداد قيادات فيها دعم حكومة يشارك فيها أفيغدور ليبرمان وحزبه، هو تطبيع مع دعاة الترانسفير والعداء العنصري للعرب، ولكن الأهم هو انقلاب على رغبة الناخب العربي. هو مثل التطبيع مع كهانا "الأب الروحي" لفكرة الترانسفير. فمواقف ليبرمان لا تختلف جوهريًا عن مواقف كهانا أو رحبعام زئيفي من بعده.

وليبرمان هو عمليًا مستوطن، مثل سموتريتش إياه، ويتباهى بأنه يقيم في مستوطنة. هذا الاستعداد للدخول في شراكة مع حكومة فيها ليبرمان، ليس براغماتية أو "شطارة" أو انفتاح، بل هو منزلق خطير لا مبرر له، ومساومة ليس فقط على المواقف والحقوق، بل أيضًا على الكرامة الجماعية وعلى حقنا بالبقاء في أرضنا. لأن من يبدي استعداده دعم حكومة يكون فيها ليبرمان محورًا أساسيًا، هو عمليًا يقوم بشرعنة لخطابه السياسي الذي يدعو للترانسفير المقنّع، ويربط حقوق المواطنين العرب بالولاء للدولة اليهودية. وهذا مرة أخرى، انقلاب على رغبة الناخب العربي ويتعارض مع مصالحه حتى.

وأكثر ما يقلق في سلوك قادة المشتركة، هو عدم إجادتهم قراءة المشهد الإسرائيلي على حقيقته، هكذا تعكس الحقائق والسلوك في الفترة الأخيرة، فربما الانخراط في أدق تفاصيل الحياة الحزبية الإسرائيلية، يحجب رؤية المشهد كاملا وعلى حقيقته، أي رؤيته في سياقه الحقيقي والأوسع، بأن إسرائيل ليست دولة طبيعية، بل نظام استعماري استيطاني، ليس للعربي فيه أي شرعية سياسية حتى لا نقول شرعية بالوجود.

ومقلق أيضًا، هذا التنافس بين قيادات في المشتركة على من يكون أكثر "مرونة" واستعدادًا للتقرب لـ"كاحول لافان"، لدرجة ظهر الأمر وكأنه "غرام من طرف واحد"، وهذا خطير، لأن الحديث عن قيادات تمثل مئات آلاف الناخبين، ويتوقع منها أن تتصرف برصانة واتزان أكبر، وباندفاع غير محسوب أقل.

تأكد أمس، بشكل لا يقبل التأويل، أن إستراتيجية قادة في المشتركة من تصريحات النائب أيمن عودة لـ"يديعوت أحرونوت" قبيل الانتخابات، وتصريح النائب منصور عباس بأن العرب هم من سيحددون رئيس الحكومة المقبل و"نقطة سطر جديد"، كما كتب على حسابه في "فيسبوك" واستعداده دعم حكومة فيها ليبرمان، مرورًا بالتوصية على غانتس، كلها أفضت إلى لا شيء، أي إلى الفشل الواضح والجلي، ولم تحقق إلا زيادة منسوب التحريض على النواب أنفسهم وعلى العرب عمومًا.

وهذا الفشل يستدعي مراجعة حقيقية للذات، وإعادة قراءة المشهد الإسرائيلي على حقيقته وليس بالتمني، وإعادة تصحيح المسار. رغبة الناس بالتأثير لا تعني أنهم يريدون أن يكونوا جزءًا من الإجماع الصهيوني، أو ربط حقوقهم بخفض السقف السياسي والتحبب في "كاحول لافان". والقيادة السياسية يجب أن تصارح الناس بحقيقة أن التأثير ونيل الحقوق لا يكون بالوكالة أو بالانتداب، بل أيضًا بالنضال والعمل الميداني، وليس على غرار "فوضوني وسنقوم بالمهمة". هذا نهج يشجع على الاتكالية والاستكانة واللامبالاة، بدل حث الناس على النضال الفعلي وانخراطهم بالسياسة وتسييس قضاياهم المعيشية. غير ذلك ستتحول السياسة إلى "شركة تنفيذ مقاولات".

الانتخابات على الأبواب. نأمل أن يعمل قادة القائمة المشتركة على استخلاص العبر من التجربة الأخيرة وتصحيح المسار، فالنوايا الحسنة قد تؤدي إلى جهنم.

رفع سقف التوقعات أمام الناس، يجب ألا يوازيه خفض سقف المواقف السياسية. هكذا ثبت.