ضرورة المشتركة وكارثة خطابها الحالي

ضرورة المشتركة وكارثة خطابها الحالي

رامي حيدر

لم تتوقف طبول انتخابات ثالثة عن القرع منذ صدور نتائج الانتخابات الأخيرة، التي لم ترجح كفة أي من المعسكرات السياسية في إسرائيل، لا اليمين المتمثل بنتنياهو والمستوطنين والحريديين، ولا اليمين المتخفي تحت قبعة المركز واليسار المتمثل بالجنرال بيني غانتس ومن لف لفيفه. وكان من الواضح، لمن لم يقع ضحية تضليل بعض نواب القائمة المشتركة، أن لا مكان للعرب في مواقع اتخاذ القرار، رغم الهرولة نحو غانتس وشركائه، إذ لا يمكن أن يعتمد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي على من يعتبرهم أعداء، حتى لو سعوا لغير ذلك.

كان خطاب المشتركة "إسقاط نتنياهو" منقوصًا، وكان أغلب الظن أن تغييب نقاش البديل تم عمدًا لتحقيق المكاسب الانتخابية المرجوة، لكن تبين لاحقًا أن هذا الأمر ليس خلافيًا بين كتلة وأخرى في المشتركة فقط، بل اختلف بين النواب داخل الأحزاب ذاتها، ففي حين هرول البعض للتوصية على غانتس، تعالت الأصوات الرافضة، ولا أقصد هنا التجمع والجبهة والحركة الإسلامية والعربية للتغيير فقط، قطعًا لا، أتحدث عن تضارب حاد في وجهات النظر بين نواب كل كتلة، دون الخوض بالأسماء والتفاصيل.

اعتقدنا في البداية أن الطامة الكبرى كانت التوصية على جنرال الحرب، لنكتشف بعدها ما هو أصعب، رفض غانتس لهذه التوصية ومهاجمة زملائه في القائمة لنوابنا، ليطل علينا المرشح الأول في القائمة المشتركة، أيمن عودة، ويشرح في فيديو مصور كيف طلبوا منه 10 توصيات فقط، ليبدأ التساؤل لدى البعض، هل عقدت بعض الأطراف في القائمة المشتركة صفقة مع حزب "كاحول لافان"؟ هل كانت هذه الصيغة لكي يحافظ التجمع على موقفه المبدئي الرافض للتوصية على أي رئيس حكومة إسرائيلي؟ التجمع نفى أي صفقة وأكد مبدئية موقفه في موضوع التوصية.

راكم المجتمع الفلسطيني في الداخل خطابًا وطنيًا منذ التسعينيات حتى اليوم، حدثًا بعد حدث وسنة بعد سنة، كان أبرزه خلال الانتفاضة الثانية، وقبل ذلك، وحتى عندما شكلت الجبهة جسمًا مانعًا لحكومة رابين، رفضوا التوصية عليه. وبعد الانتفاضة احتد التعامل مع الفلسطينيين في الداخل وبدأت الممارسات العنصرية والاحتلالية تزيد بطشًا، فما كان مبطنًا في السابق لم يعد يخجل به أي مسؤول إسرائيلي من التصريح على المنصات، وبالتالي كان لدينا ما يقال وما يُفعل. خضنا النضال بعد النضال والجولة تلو الأخرى للحفاظ على هويتنا ومجتمعنا، ونجحنا في عدد من الخطوات وأخفقنا في أخرى، لكن، ومنذ القائمة المشتركة، وخاصة بعد الانتخابات الأخيرة، تسارعت وتيرة الانحدار. 

لن ينسى أحد من الناخبين الانقسام الذي حدث قبيل موقعة التوصية، والهجوم وتخوين كوادر كل طرف للآخر من مركبات المشتركة قبيل الصورة للسادة النواب منصور عباس، أحمد طيبي، أيمن عودة وأسامة السعدي على السجادة الحمراء في الطريق لمقابلة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، ولا مقاطعة التجمع للمؤتمر الصحافي، ليلتئم هذا الانقسام بعد رفض غانتس توصية المشتركة عليه علنًا، وعدنا إلى ذات الخندق.

ورغم ما حدث، والإهانات التي وجهها غانتس وزملاؤه للفلسطينيين في الداخل وممثليهم في القائمة المشتركة، بدءًا بالحملة الانتخابية واستمرت قبل وبعد التوصية وصولًا إلى توليه مهمة تشكيل الحكومة حتى العدوان على غزة، عندما لوح بسبابته مؤنبًا ومهددًا أحد أعضاء المشتركة من الحديث عن الجيش الإسرائيلي، إلا أن النائب عودة اعتبر في فيديو مصور على صفحته بعد فشل غانتس بتشكيل الحكومة وزيادة احتمالات الانتخابات الثالثة، أنه "راض عن أداء القائمة والقرارات الوطنية التي اتخذتها"، أي أن الرجل يؤمن أن التوصية على الجنرال خطوة وطنية، وليس مجرد تكتيك وخطوة تحتاج قيادة وشجاعة لمصلحة شعبنا كما وصفها لنا في حينه.

حسبنا كناخبين (أو أنا شخصيًا على الأقل) أنه الحضيض، لكن لا، جاءت الخيبة الكبرى (أو هكذا أملت وقتها)، عندما وصف ليبرمان النواب العرب بالطابور الخامس، وأنه لن يكون جزءًا من حكومة بدعم من النواب العرب، ليرد كل من عوفر كاسيف وعايدة توما - سليمان (الجبهة – القائمة المشتركة) بتصريحات موفقة، مفادها أن ليبرمان سياسي عنصري وخطير ولن نجلس نحن بدورنا معه، وأن إسقاط نتنياهو لن يكون بثمن شرعنة أشخاص مثل ليبرمان. لكن الفرحة لم تدم طويلًا، لأن قاتل البهجات المتسلسل، النائب منصور عباس، صحّانا من سكرتنا باكرًا، وقال عندما سُئل في مقابلة عن إمكانية الجلوس مع ليبرمان التي رفضها أعضاء قائمته، إن "كل شيء ممكن". ونواب التجمع؟ سامي أبو شحادة عبر سريعًا عن ذات موقف النائبين كاسيف وتوما سليمان، والباقون كأن على رؤوسهم الطير.

وجاء العدوان على غزة، الذي كان مفهومًا أنه مركز إجماع لدى الجميع. بعد التهدئة خرج نتنياهو، كعادته، ليحرض على الفلسطينيين في الداخل، ليرد عليه المرشح الأول في القائمة، النائب أيمن عودة، باللغة العبرية، أن هذه التصريحات الخطيرة قد تؤدي إلى "حرب أهلية". هنا كانت الصاعقة وخيبت أملي بما اعتقدته الخيبة الكبرى. حرب أهلية؟ الصراع بيننا وبين المحتلين والإرهابيين بات يوصف بالحرب الأهلية؟ أي حضيض وصلنا إليه؟ كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من الأسرلة؟ كل الشهداء والجرحى وضحايا الممارسات الكولونيالية ضدنا كأقلية قومية في وطن محتل باتت فجأة حرب أهلية؟

أن توصف قضيتنا بحرب أهلية معناه أننا بتنا مواطنين متساوين وجزءًا من دولة احتلت وطننا وقتلت وهجرت أهلنا، وأننا مفصولون تمامًا عن شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر ومن هجر إلى الشتات، سواء إلى مخيمات اللجوء أو أماكن أخرى، وأن تمر هذه التصريحات مرور الكرام معناه أننا بتنا بلا حول ولا قوة، مجرد قطيع يقوده مراهقون سياسيون ذوّتوا نفسية الهزيمة وباتوا يسعون نحو الفتات. لم نر تصريحات علنية رافضة لأي من زملاء أيمن لهذه المواقف، والخوف من عودتنا إلى زمن المخاتير والوصاية على شكل نواب في الكنيست من أحزاب وطنية يسعون نحو بقايا مطالب حياتية أمر يدعو للرعب واليأس في آن واحد.

شخصيًا، أرى بالقائمة المشتركة ضرورة جمة وخيارًا إستراتيجيًا لنا كفلسطينيين في الداخل، لكن تحت هذا الخطاب وطريقة العمل هذه، بت أخشى القائمة المشتركة ذاتها، لست أدري هل من الأسلم عدم التصويت لها أو الأفضل الضغط لتغيير الخطاب وبعض المرشحين، الأمر الذي لا يخضع لأي إرادة سوى علاقات القوة والنفوذ في مختلف الأحزاب، ومن يستطيع عقد صفقات داخلية أكثر وتحقيق التوازنات في بعضها.