التقسيم والضم.. وجهان لمحاولات السيطرة الصهيونية

التقسيم والضم.. وجهان لمحاولات السيطرة الصهيونية

سليمان أبو ارشيد

في ذكرى قرار التقسيم الذي ما زال البعض يلوم الشعب الفلسطيني وقيادته على رفضهم له، والتسبب بالنكبة وضياع كل فلسطين، كما يزعمون، نرى القيادة الفلسطينية تدافع بما تبقى لها من أسنان عن تقسيم تقوم الدولة الفلسطينية في إطاره على 22% من مساحة فلسطين، في وقت تتسارع فيه عملية دفن حل الدولتين، الذي استندت إليه ما سميت بـ"عملية السلام" والتي تنازلت بموجبها تلك القيادة عن 78% من أرض فلسطين، دون أن تحصل على السيادة ولو حتى عللا شبر واحد من الأرض.

وللمفارقة، فإن التقسيم و"التوحيد" كان هدفهما تحقيق نفس الغاية، الاستيلاء على فلسطين، وتثبيت ركائز الصهيونية ودولتها على كامل أرضها، بفارق بسيط، هو أن التقسيم في العام 1947 كان الوسيلة الوحيدة المتاحة لزرع كيانها الكولونيالي في فلسطين وإسباغ الشرعية الدولية عليه، واليوم "التوحيد" (الضم)، هو الوسيلة الضرورية لمد سيطرة دولتها على كامل فلسطين التاريخية.

في الحالتين التاريخيتين، كانت زمام المبادرة، ولا تزال، بأيدي الصهيونية ودولتها، فقد نجحت عام 1948 بفرض التقسيم بقرار دولي في الأمم المتحدة ورسم حدوده على الأرض، وهي حدود تختلف عن تلك القائمة في نص القرار، وأن تمنع تطبيق الشق الثاني منه بقوتها العسكرية على الأرض، وهي تنجح اليوم في إسباغ الشرعية على عمليات الاستيطان وتكريس سيادتها على الجزء الذي استكملت احتلاله عام 1967.

 وفي الحالتين أيضا، كان الرفض هو الموقف الطبيعي والجامع للشعب والقيادة الفلسطينية، حيث رفض الفلسطينيون عام 1947 إسباغ الشرعية الدولية على الكيان الكولونيالي الذي يريد أن يقتسم معهم أرضهم ووطنهم في قسمة غير عادلة شكلا ومضمونا.

فإضافة إلى الظلم الذي ينطوي عليه مبدأ القسمة التي تساوي بين ابن البلد الأصلي وبين الغازي المستعمر المستوطن القادم من خلف البحار، فإن قرار التقسيم الذي صدر عن الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، منح 55% من أرض فلسطين للمستوطنين اليهود الذين لم "يملكوا" حتى ذلك الحين سوى 7% من أرض فلسطين، وشكلوا أقل من ثلث السكان، مقابل 45% فقط للفلسطينيين، أصحاب البلاد الأصليين، الذين شكلوا أكثر من ثلثي السكان، كذلك منح القرار الدولة اليهودية المقترحة، السيطرة على المناطق الإستراتيجية مثل السهل الساحلي الممتد من حيفا إلى جنوب تل أبيب، والجليل الشرقي، ومن ضمنه بحيرة طبرية، وعلى أصبع الجليل، إضافة إلى النقب الممتد حتى أم الرشراش (إيلات).

وقَطّع القرار أوصال الشعب الفلسطيني، وجعل نصف مليون من أبنائه بمثابة أقلية داخل الدولة اليهودية المقترحة، إضافة إلى تقطيع أوصال الدولة الفلسطينية المقترحة، التي تشكلت عمليا من ثلاث مناطق جغرافية معزولة عن بعضها البعض، هي الجليل الغربي وعكا إلى جانب الضفة الغربية والساحل الجنوبي الممتد من أسدود وحتى رفح.

لذلك، كان من الطبيعي أن يرفض الفلسطينيون قرار التقسيم، مثلما هم يرفضون اليوم تكريس احتلال مناطق الـ67 وإسباغ الشرعية على الاستيطان، تمهيدا لسحب السيادة الإسرائيلية على كل فلسطين التاريخية.

هذا علما بأن قرار التقسيم، هو صناعة صهيونية ابتدأت بوعد بلفور، وتواصلت من خلال اللجان الدولية المختلفة، وتوجت بالقرار الأممي الذي أعطى الشرعية للاستيطان الكولونيالي الصهيوني في فلسطين، ولذلك كان رفضها من الشعب الفلسطيني وقيادته مفهومًا ضمنا، مثلما هو مفهوم ضمنا اليوم رفض مشاريع الضم الزاحف الإسرائيلية، التي تلقى الدعم الأميركي، والساعية إلى قضم ما تبقى من موقف دولي مؤيد للحق الفلسطيني.   

وكما هو معلوم، فإنه عندما تكون زمام المبادرة بأيدي عدوك، كما كان الحال في 1947، وما تزال حتى اليوم، وهو من يخطط وينفذ، لا يكون أمامك سوى الاستكانة والاستسلام لمشاريعه ومخططاته، أو رفضها ومقاومتها، وهو ما فعله ويفعله الشعب الفلسطيني، الذي لم يشذ عن قاعدة الشعوب الحية التي قاومت الاستعمار والاحتلال وانتصرت عليه.