إسرائيل كمشروع استعماري: ماذا يعني ذلك خارج التحليل النظري؟

إسرائيل كمشروع استعماري: ماذا يعني ذلك خارج التحليل النظري؟

حنين زعبي

(1)

كان انعقاد "المؤتمر العالمي الأول حول الأبرتهايد الإسرائيلي: الأبعاد والتداعيات وسبل المواجهة" في إسطنبول قبل أيام، مؤشرًا إضافيًا إلى أن آفاق المبادرات والعمل السياسي المناهض لما تمثله إسرائيل من مشروع تدمير للشعب الفلسطيني، يخرج من حيز السياسات التقليدية، الأحزاب والفصائل والحركات السياسية، ليشهد ارتكازًا ومبادرات في الحيز السياسي غير التقليدي. هذا التحرك يبدو في سطحه مشابهًا ومنسجمًا مع روح العصر العربي الذي عبرت عنه وغذته الثورات العربية، وانتقل مركز الحياة والانبعاث السياسي من قوى لا تعد جزءًا من الحراك الحزبي التقليدي، بل إن معظمها خرج من حالة قطيعة مع الأحزاب، والكثير منها خرج من حالة قطيعة مع العمل السياسي برمته.

أحد مؤشرات سحب الثقة من السياسة التقليدية، ظهرت في غياب السياسيين الفلسطينيين عن المؤتمر (اثنان من 25 محاضرًا ورئيس جلسة)، في مقولة تشبه ما قاله ديغول ردًا على اتهامه بأنه فاشل سياسيًا: "لقد وجدت أن السياسة هي أخطر من أن تترك للسياسيين"، على غرار ما سبق أن قاله كليمانصو عن خطورة ترك المعارك للعسكرـ  أما المؤشر الإضافي، الخطير برأيي، والذي يشير إلى مدى فقدان الأمل من الحَراكات السياسية التقليدية، لدى كل من يعتبر "تحرير الشعب الفلسطيني" قضية يحملها، فهو امتناع تلك الحَراكات المباركة حتى عن التعاطي مع خطاب وأداء الأحزاب، وحتى ولو بالنقد والتفكيك والتشكيك، وكأن الأخيرة غير قائمة في المشهد السياسي أصلا.

بالتالي، لم يكن الانفصام الواضح في الخطاب والفكر والتحليل والرؤى، بين خطاب أبرتهايد واستعمار استيطاني وبين خطاب "الأمن والحرية لإسرائيل" (خطاب رام الله) و"السلطة لغانتس" (خطاب معتدلي الداخل)، هو  الذي يدعو للوقفة، فنحن في خضم مرحلة يجري فيها الصراع الرئيسي ليس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل داخل كل طرف من أطراف الصراع؛ يدور الصراع بين الفلسطينيين أنفسهم حول من يقود الخطاب الوطني الفلسطيني؛ من يريد مناهضة إسرائيل كنظام وكمشروع أم من يريد التنسيق معها، أي بين نموذج الضفة ونموذج غزة من جهة، وبين نموذج المواطنة الوطنية ونموذج المواطنة "الصالحة" من جهة أخرى، في إشارة واضحة إلى أن تقسيم إسرائيل الجغرافي للفلسطينيين (الداخل، القدس، الضفة، غزة) لم ينجح في "صيانة" درجات مختلفة للانتماء الفلسطيني تتبع لهذا التقسيم الجغرافي، وأن شيئًا فشيئًا طور الداخل نموذجًا للمواطنة متصالحًا مع انتمائه الفلسطيني (بدأت مواطنتنا سياسيًا في ما عبر عنه الحزب الشيوعي من اعتبار أن الصهيونية مشروعًا أخلاقيًا وليس فقط شرعيًا، ومطالبة الدولة باعتبارنا جزءًا منه)، فيما طورت الضفة بعد أوسلو نموذجًا للسياسة متصالحة مع مفاهيم الأمن الإسرائيلية، وبتنا نستطيع الإشارة إلى نمطين من السياسة على جانبي الخط الأخضر. كما تخوض إسرائيل صراعها الداخلي - الذي حسم الآن مرحليًا على الأقل - حول التعامل مع الفلسطينيين، هل بالاحتواء  وإدارة الصراع واستعمال وكلاء الاعتدال، أم بحسم الصراع وتصفية القضية والقفز عنها.   

أقول، ليست تلك النقطة الأخيرة بجديدة أو التي تحتاج أن نتوقف عندها، بل هي اعتقاد ذاك الحراك الفلسطيني - المبارك والفتي والواثق والمثقف وصاحب الحجة والخطاب الوطني والإنساني، الذي يتعامل مع القضية الفلسطينية كبوصلة للعدالة - بإمكانية إحراز أي تقدم جدي بالتعويل على دوائر قانونية وأهلية وبحثية وحتى شعبية وجماهيرية، وفي ثقته أنه يستطيع أن يبني وعيًا جديدًا للقضية الفلسطينية كقضية تحرر من مشروع استعماري، بتجاهل تام للدور الذي تقوم به معظم القوى السياسية التقليدية، حتى ولو كان دورًا مضادًا.

لقد خرج المؤتمر ببيان ختامي، يدعو لتشكيل تحالف دولي ضد الأبرتهايد الإسرائيلي، مع وضوح كامل لملامح الاستعمار الاستيطاني الذي تمارسه إسرائيل. وأقر التحالف أن مهمته هي "رفع الوعي والعمل قانونيًا وأكاديميًا وشعبيًا"، لكن حتى تلك المفاهيم المحددة والواضحة بـ"رفع الوعي" والعمل القانوني والأكاديمي والدولي، لا يمكن تحقيقها دون بحث و"معالجة" لعملية إنتاج الوعي المضاد لخطاب حرية وتحرر الفلسطينيين من قوى فلسطينية موجودة على الساحة السياسية. لا يمكن لأي مسار "إصلاحي" أو تصويبي أن يُبنى بشكل ناجع، من دون "السيطرة" على خطاب سياسي مضاد تقوده قوى سياسية "تمثيلية".  

إن خلق المسارات الموازية تلك، في ما يشبه حالة الانفصام، من دون وعي ضرورة بناء مشروع وطني فلسطيني جامع، كنقطة انطلاق لأي مراجعة سياسية ناجعة، بل وكنقطة وقف للتدهور الحاصل،  لن تُحدث إلا مزيدًا من الصراع الداخلي والبلبلة الخارجية. إن فقدان الأمل (المريح) من الأحزاب السياسية لا يعادله سوى ترك الحرية الكاملة لنا، لكي نزيد الخراب والضياع الذي نحن فيه والذي ندخل شعبنا فيه.

صحيح، إن من يريد الحرية والعدالة في فلسطين عليه أن يواجه إسرائيل كمشروع، لكن الصحيح أيضًا، وليس أقل من ذلك، هو أن مواجهة إسرائيل كمشروع لا تحدث سوى بطرح مشروع وطني فلسطيني بديل وجامع، يمثل الصوت الشرعي الوحيد للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، ودون ذلك لا يستطيع التضامن الدولي والعمل القانوني والبحثي إحراز التقدم المطلوب.