عزل ذاتيّ... اغتراب

عزل ذاتيّ... اغتراب

رامي منصور

أين نحن من حَراك الشعوب العربية؟


تبدو السياسة والعمل السياسي، هنا، في الداخل، ساحة قاحلة، يابسة و"ناشفة"، أو بحالة موت سريري، تعود إليها الحياة مع انتخابات الكنيست، ومع نهاياتها تعود وترقد إلى موتها. كذلك الحياة الحزبية، أشبه بصمت القبور، أو مثل الدب القطبي الذي يستشرس لنيل وجبة واحدة ويخلد بعدها إلى سباته الطويل. المهم أن المحاصصة الحزبية تمَّت في القائمة المشتركة وفي لجنة المتابعة، والتمويل الشهري للأحزاب مضمون. هل يسأل أحد أين ذهب هذا التمويل وما حصة الشعب - الناخبين منه؟ أين الشفافية؟ لكن ليس هذا موضوعنا.

تجري في الدول العربية المحيطة بنا حَراكات وانتفاضات شعبية وطنية وديمقراطية. في العراق نحو 500 قتيل و20 ألف جريح، بينهم الآلاف من أصحاب الإصابات المستدامة أو ما يطلق عليها "بالعاهات المستدامة". في لبنان مئات الآلاف يخرجون إلى الشوارع ضد فساد السياسيين والطبقة الحاكمة، ومن أجل الشفافية والمحاسبة، للجميع بلا استثناء. في العراق ولبنان والجزائر، وقبلها في السودان، يخرج مئات الآلاف يطالبون بالرقي بالوطن إلى مستوى دولة فيها مواطنة متساوية للجميع، وضد الطائفية وضد العنف. يتوقون للتخلص من حالة الاغتراب عن الوطن الذي يأخذ شكل الفقر واليأس من التغيير، وينادون بدولة مدنية ديمقراطية تقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية لتُلغى الانتماءات الطائفية.

في لبنان والعراق والجزائر لا تحرك الناس أيديولوجيات يسارية أو يمينية أو دينية، أو قوى خارجية أو داخلية. يحركهم فشل المقايضة التاريخية التي صنعتها الأنظمة مع الشعوب: نأخذ حريتكم وحقوقكم السياسية، ونعطيكم استقرارًا أمنيًا ومعيشيًا. نأخذ منكم حقوقكم السياسية - الديمقراطية ونعطيكم فتات حقوقكم الاجتماعية بأن نوفر لكم العمل المستقر في جهاز الدولة المتضخم، ولو بمعدل دخل هو من الأدنى في العالم. سقطت هذه المقايضة – التسوية التعسفية لسببين؛ أولأ، لأن الدولة العربية لم تعد قادرة على توفير الاستقرار الاقتصادي المعيشي، ليس بسبب الفساد فقط، بل لأن جهاز الدولة لم يعد يحتمل المزيد، ووصل إلى حالة تضخم تنذر بانفجار كبير، وها هو يحصل؛ وثانيًا، إدراك المواطن العربي أن هذه التسوية التعسفية لم توفر له الاستقرار المعيشي والاقتصادي والأمني، وأنه لا مكان للعمل ولا للعيش الكريم، رغم قبوله التعسفي بتلك المقايضة. خسارته لحريته وحقوقه المدنية في دولته الوطنية لم يقابلها أي شيء.

هذا النوع من المقايضة التعسفية التي أثبتت فشلها في الدول العربية، يحاول نهج سياسي عندنا، يتمثل بقيادة القائمة المشتركة، إلى تطبيقها مع إسرائيل، بحيث يتنازل المواطن العربي ابن هذه البلاد وصاحبها، عن حقوقه السياسية، سواء القومية أو المدنية، مقابل الاستقرار المعيشي والاقتصادي. أي مقايضة الحقوق وقيم العدالة والمساواة والكرامة، بفتات الحقوق الاقتصادية المعيشية. هذا نهج رجعي استخدمته القوى الاستعمارية ولاحقًا الاستبدادية في العالم العربي. مقايضة لم تعمر دولا ولم تحرر أرضًا ولم تخلق إنسانًا كريمًا ومنتجًا ذاتيًا ومن أجل ذاته، بل دمرت الدولة وأهدرت الإنسان العربي طيلة عقود.

ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، وهذا له علاقة بالسياسة القاحلة عندنا. في السنوات الأخيرة وحتى اليوم، اتبعت القوى السياسية في الداخل عزلا ذاتيًا واغترابًا عما يجري في محيطها العربي المجاور، ولم تظهر أي تعاطف أو تضامن أو مساندة للحَراكات الشعبية في العراق ولبنان مثلا، ربما تعاطفت مع الجزائر من باب النوستالجيا ولأنها بعيدة نسبيًا، كما أن التضامن معها لا يكلف ثمنًا سياسيًا (أذكر أن آخر تضامن قرأته على صفحات بعض النواب كان مع منتخب عربي في كأس أمم أفريقيا).

الصمت المعيب تجاه ما يحصل في لبنان والعراق لا مبرر له بكل تأكيد، لكنه يعكس بكل تأكيد أيضًا، اغترابًا عن المحيط العربي سياسيًا وفكريًا، وغوصًا في مستنقع السياسة الإسرائيلية والتعقيب على كل شاردة وواردة فيها. هذه انعزالية ذاتية دوافعها تتراوح ما بين الأسرلة وفقر الفكر السياسي لدى القوى السياسية الرئيسية، وجهل للمفاعيل الحقيقية التي تحرك الشعوب العربية، وأخيرًا بدافع عدم الرغبة في إغضاب الأنظمة المستبدة. وكلها دوافع خطيرة إن كانت غرقًا بالسياسة الإسرائيلية، أو عدم الانكشاف بعمق لما يحصل حولنا، أو تهرب انتهازي من اتخاذ موقف قيمي مبدئي يناصر الحرية والديمقراطية.

هل الركود السياسي هذا صدفة أو نكبة سماوية؟ الإجابة عن الأسباب مركبة وتطول، لكن المؤكد أن هناك أكثر من مستفيد من هذا الركود، سماها ماكس فيبر "أولغارشيا الأحزاب"، ويصح أن نسميها بـ"زبائنية الأحزاب"، فأحزابنا تحولت إلى زبائنية، قائمة على المحاصصة الخارجية والداخلية، خالية أو حتى خاوية من المواقف القيمية المبدئية.

لن نعتذر للشعب العراقي أو الشعب اللبناني عن صمت قوانا السياسية تجاه نضالهم، ولا ننتظر منهم بيانًا يتيمًا أو مقابلة تلفزيونية. لن نعتذر، لأنه يكفينا أن الشعب هنا، يعيش حالة وجدانية وأملا متجددًا بوجود ضوء في آخر النفق. نعول عليكم، على شجاعتكم، وليس على محترفي السياسة عندنا أو عندكم، لأن الموقف المبدئي والقيمي الصادق بدعم نضال الشعوب، القريبة قبل البعيدة، ليس بحاجة إلى إطار فضفاض وغير قيمي ليعبر عن ذاته. هذا ما أثبتموه في ساحاتكم، من ساحة الشهداء في بيروت إلى ساحة التحرير في بغداد.