فشلنا في فهم المقروء...

فشلنا في فهم المقروء...

سهيل كيوان

ماذا يعني الفشل في فهم المقروء في اللغة العربية، الذي حققته نسبة عالية من الطلاب العرب الذين قدّموا امتحان الـ"PISA"، وما هي أسبابه؟

أحاول من خلال رأيي المتواضع، أن أفسّر جانبًا من أسباب هذا الفشل، معتمدًا على التفسير من خلال لقاءاتي الكثيرة مع طلاب من مختلف مناطق البلاد والطبقات التعليمية في إطار المكتبات العامة والمراكز الجماهيرية والمدارس نفسها.

إلى جانب مسؤولية السلطة وتمييزها العنصري الممنهج المعروف، فإنني لن أتردّد في القول إن المسؤولية الكبرى تقع على عاتقنا نحن كإدارات مدارس ومعلمين وكأهالٍ.     

لاحظت أن هناك دورًا حاسمًا للمدير أو المديرة في كل مدرسة، ابتداء من الابتدائية حتى الثانوية، وليس صدفة أنه في البلدة نفسها يوجد تفاوت في التحصيل بين مدرسة وأخرى وأحيانًا بفروقات شاسعة.

 المدير الناجح المؤهّل حقا وقلبه على الطلاب يعكس نجاحه على المدرّسين أوّلا، فهو "الدينامو" والنموذج الذي يحثّهم على العمل بإخلاص، وهو الذي يضبط عملهم وتصرفّاتهم ويشق أمامهم الطريق إلى قلوب الطلاب والأهالي، وهو الذي يقرر ما هي الأولويات في مدرسته لنجاح طلابه، وكيف تصرف الميزانيات التي تمنحها الوزارات، وهذا له تأثير حاسم على تجاوب المعلمين والطلاب ورغبتهم في التعليم والتعلّم.  

مهمة المعلم ليست التلقين، ولا فرض المادة على الطلاب كدواء مكروه، بل تحبيب الطالب بالموضوع، وتفجير الرغبة لديه في حب المعرفة.

الطالب الذي يحبُّ معلّمَه، حتمًا سيحب الموضوع الذي يدرسه إياه هذا المعلم، وسيبدع فيه. هذه تجربة أجيال ذكرها ابن خلدون وذكرها أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، وأكّدها العلم الحديث، لهذا نلاحظ وجود تفاوت في التحصيل بين طلاب زيدٍ أو عُبَيد من المدرّسين في المدرسة نفسها والظروف إياها، وعلى كل معلم أن يراجع نفسه إذا كان من الفئة التي نفّرت الطلاب من الموضوع، وكيف يستعيد زمام المبادرة، ويجعلهم يستمتعون في درسه ويشتاقون إليه.    

المعلم ذو الحس الوطني والإنساني، يدرك أن بين يديه مستقبل أجيال، وعليه يقع واجب العمل بتفان لأجل نجاحهم، وعدم اليأس منهم مهما كانت العوائق.

مؤسف أن نجد أن عددًا كبيرًا من المديرين والمعلمين لم يفتحوا كتاب مطالعة على مدار سنوات، ولهذا فهم عاجزون عن توصية طلابهم بكتاب مطالعة ما. 

يلعب الأهل دورًا حاسمًا، لا يقل عن دور المدير والمعلمين. الأهالي قادرون على تشجيع أبنائهم الطلاب من خلال متابعتهم، فمجرّد متابعة الطالب ولو لنصف ساعة يوميًا تشعره بالمسؤولية وبأنه مراقب وعليه أن ينجز مهامه وواجباته، أما الطالب الذي يشعر بتراخٍ وإهمال وعدم رقابة من قبِل ولي أمره، فيظن أنه مرضيٌ عنه في كل حال، فيهمل لأنه لا يتوقع محاسبة من أحد على تقصيره.

معظم الأهالي يوفّرون لأطفالهم هاتفا ثم يديرون ظهورهم، ولا يتابعون ما يفعله أبناؤهم بالهاتف، وهذا ينطبق على الكمبيوتر، فلا يتابعون كيف يصرف أولادهم معظم وقتهم مع هذه الأجهزة.

صحيح أن نسبة الفقر عند العرب أعلى منها عند اليهود، ولكن الأهالي يفضلون البذخ في المناسبات والحياة اليومية، ويستكثرون إرسال ابنهم إلى معلم خاص في موضوع ما لتقويته.

بعض الأهالي يدفعون الكثير والقليل، لكنهم يستكثرون المشاركة بمبلغ بسيط في دورة إثراء لا منهجية لأبنائهم الطلاب، قد تكون بثمن بضع علب سجائر، ويعملون منها قضية.

من المهم جدًا أن تكون علاقة الأهالي بالمعلمين علاقة صداقة واحترام، وأيُّ مسّ بمكانة المعلم يؤثر فورًا وسلبًا على الطلاب.

بعض المدرسين يرفعون حواجز بين اللغة العربية وبين الطلاب، ويرهقونهم في الإعراب والتدقيق والتحقيق اللغوي، وكأن الطلاب علماء لغة، الأمر الذي ينفّر الكثيرين منهم.

نحن في عصر السرعة، والمطلوب إيصال الفكرة بلغة بسيطة وواضحة وسلسة، والامتناع عن الكلمات الغريبة والمجازات المبهمة في اللغة.

تلعب الموسيقى دورًا مهمًا في نقل اللغة الفصيحة بسلاسة وسهولة على لسان ووعي الناس، ومن المفيد جدًا سماع قصائد مغناة في السيارة أو في البيت على مسمع الأولاد، فهذا ينتقل إليهم حتى يصبح لفظ الفصحى سهلا، مثل الكثير من أغاني أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وفيروز وغيرهم.

من المفيد جدًا حث الطالب على حفظ بعض الشعر الفصيح سواء كان قديمًا أم معاصرًا، ومن الملاحظ أن الطلاب الذين يحفظون بعض الآيات من القرآن الكريم، والشعر،والحِكم، يتفاعلون بصورة جيدة  مع درس اللغة العربية.

هناك من رسّخ قناعات لدى الطلاب والأهالي بأن اللغة العربية ليست ذات فائدة كبيرة للطالب، وأنها  بعيدة عن لغات العلم المعاصرة، ولهذا يرسلون أبناءهم إلى دورات لغة إنجليزية ويهملون العربية.

من الجيّد والضروري أن يتعلم الطالب الإنجليزية، ولكن من يتقن لغته الأم بشكل جيد، ويستوعب كيف تركّب الجمل فيها، قادر أكثر من غيره على فهم اللغات الأخرى، وعلى استيعاب المواد العلمية التي ينوي تعلّمها بلغات أجنبية، ولهذا ليس صدفة أبدًا، أن الطلاب الناجحين في العلوم، جيّدون في لغتهم الأم أولا، ويطالعون الأدب العام، ويتعاملون مع لغتهم باحترام كبير، أما الفاشلون في لغتهم الأم فمن النادر جدا أن ينجحوا في المواضيع الأخرى.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة