هزيمة كوربن ليست نهاية المطاف

هزيمة كوربن ليست نهاية المطاف

عوض عبد الفتاح

خسارة جيرمي كوربن ليست نهاية المطاف، وإن كان الفارق الكبير بينه وبين خصمه اليميني، كبير وصادم. لسنا كفلسطينيين محزونين على خسارته لكونه فقط مساندًا مثابرًا ومبدئيًا لقضية فلسطين، بل لأن هذه الخسارة أيضًا نكسة في معركة التغيير في بلده بريطانيا، وفي معركة تغيير النظام العالمي الذي تقوده الإمبريالية الأميركية، وبريطانيا هي حليف تاريخي وجزء عضوي من بنية الرأسمالية الإمبريالية. هذا الرجل، المعروف بصدقيته ومبدئيته، ومواقفه الصارمة تجاه العدالة الاجتماعية وكرامة الانسان، هو وطني بريطاني، يريد أن تكون دولته حرة، متحررة من السطوة الأميركية، وأن يكون وشعبها آمنا من الاستغلال والفقر. كما إنه مناضل أممي متعاطف ومساند لكل الشعوب الساعية إلى التحرر والعدالة والرفاه.

وتأتي مساندته لقضية فلسطين من كونه أممي يؤمن بالعدالة الإنسانية، وهذا ما لا يدركه الكثير من الفلسطينيين. ما معناه، أن نظرة الفلسطينيين إلى قوى التحرر الإنساني في العالم، يجب أن تنطلق من هذه النظرة التحررية الشاملة. هكذا فقط نستطيع أن ننهض بنضالنا بصورة أفضل، ونكون فعليًا جزءًا من العائلة الإنسانية. إن النظام العالمي الذي أنتج مشكلة فلسطين والمسألة العربية (تقسيم العالم العربي) أسوة بعشرات المشاكل القومية في القارات المختلفة، ما زال قائمًا ويزداد شراسة، رغم أزماته المتجددة، وبالتالي نحتاج لأن نكون منخرطين في نضال الشعوب قاطبة، أو بالأحرى أن نعود إلى الانخراط فيها كما كان الحال في بدايات انطلاق الثورة الفلسطينية.

لم يتوقع أحد نجاح كوربن في التنافس الداخلي على قيادة حزب العمال البريطاني عام 2015، الذي كان توني بلير قد حوّله إلى حزب يميني نيوليبرالي، تحت مسمى الطريق الثالث أواخر التسعينيات، تماشيًا مع دخول العولمة وتغول النظام الرأسمالي مرحلة جديدة، خصوصًا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. لقد شكل نجاح كوربن مفاجئة مفرحة للتقدميين، داخليًا وعالميًا، وساهم في إعادة بعث الأمل خاصة في أوساط الأجيال الشابة، وشرائح واسعة من العمال والمفقرين من جراء سياسات التقشف والخصخصة، التي فرضتها الحكومات النيوليبرالية على الشعوب. وفي الوقت ذاته، كان نجاحه صادمًا لتيار بلير، مجرم الحرب، داخل حزبه، ولشركات الإعلام الكبرى وللشركات الإعلامية المدعومة من الأغنياء. هذا إضافة إلى القوى المحافظة واليمنية واللوبي الصهيوني في بريطانيا ومن خلفه إسرائيل.

وخلال الأربعة أعوام الماضية، تعرض كوربن لمحاولات اغتيال معنوي له، لحملات غير مسبوقة في شراستها وانحطاطها، ومن حيث تعدد أطيافها ومعسكراتها، ابتداءً من داخل حزبه، ومرورًا بوسائل الإعلام الكبرى واللوبي الصهيوني والشركات الكبرى وغيرها، انتهاءً بدونالد ترامب الذي أعلن صراحة دعمه لمنافس كوربن، بوريس جونسون، زعيم حزب المحافظين، وهو شخصية تحسب على تيار اليمين الشعبوي العنصري، الذي يحكم في أميركا وفي عدد من دول أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. وكانت أكثر حملات الكذب والتشويه والتضليل تلك المتعلقة بمعاداة السامية، إذ جرى بصورة مقصودة ومنهجية، تحويل موقفه المناهض لسياسات إسرائيل الاستعمارية إلى موقف معادٍ للسامية. وفي مقال طويل للأكاديمية المعروفة، البريطانية الفلسطينية غادة الكرمي، نشر في موقع "ميدل إيست آي" يوم 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تحت عنوان "لماذا يمكن أن تجعل حملة التشويه ضد كوربين بخصوص اللاسامية، فوزه برئاسة رئاسة الحكومة مستحيلاً؟"، تناولت فيه بالتفصيل مسلسل التحريض والتشويه لمواقف كوربن.

ليست هذه الأسباب وحدها

ليست هذه الأسباب وحدها التي تقف خلف إخفاقه في الانتصار على جونسون، أو في الفارق الكبير وغير المتوقع في عدد المقاعد. توجد أسباب تتعلق بإدارة المعركة الانتخابية وإستراتيجيات العمل بين الناس، وأخرى تتعلق بالموقف من اتفاقية البركست، التي كانت الدافع الرئيس وراء إجراء انتخابات ثانية خلال فترة قصيرة، فيما نصح كوربن عدد من المحللين المستقلين، المناصرين له، بضرورة اتخاذه موقفًا إيجابيًا من البركست، بدل الموقف الغامض وغير القاطع، وأن يكون رده من اتهامه بمعاداة السامية هجوميًا لا دفاعيًا. وأعاد أحد أبرز المفكرين والناشطين اليساريين القدامى، البريطاني الباكستاني الأصل طارق علي، استحضار انتقاداته السابقة على هذه المواقف، في تغريدة فجر أمس الجمعة على صفحته الشخصية. وطارق علي، وهو روائي أيضًا، صديق لكوربن منذ زمن طويل.

وساند محللون آخرون هذا التحليل، في مقالات صدرت مباشرة بعد معرفة النتائج، صباح أمس الجمعة؛ ففي مقال كتبه محرر Tribune، رونان بيرتمان شو، في الموقع اليساري الأميركي، Jacobin، رأى أن تحويل الحزب إلى حزب في مواجهة التفويض الديمقراطي للخروج من الاتحاد الأوروبي، كان خطأ كبيرًا. ويقصد الكاتب بذلك إعلان كوربن استعداده عرض مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى استفتاء شعبي جديد في حالة فوزه، ما يعني، حسب قوله، استهتار بمواقف من صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد. وهذا أدى بمصوتين كثيرين، ليسوا محافظين، للتصويت لصالح جونسون.

وتطرق الكاتب لأسباب أخرى، تتعلق بالقصور بوصول الحزب إلى مناطق تتواجد فيها قواعد عمالية، وشرائح اجتماعية متضررة من السياسيات النيوليبرالية في المملكة المتحدة. وقال الكاتب إنه ليس كافيًا الاعتماد على الطلاب والشرائح النشيطة، لأن هذا التوجه التقدمي (progressivism) ليس بديلا عن النضال الطبق، ولكنه تدارك وقال إن اليسار تعلم من التجربة في السنوات السابقة، ولكنه كان عليه أن يتعلم بصورة أسرع مقابل كثافة الهجوم المعاكس، مستذكرًا أنّه بعد عقود من السياسات النيوليبرالية وانحسار اليسار، ليس مفاجئًا أن يكون الكثير من الناس قد فقدوا الأمل، وتخلوا عن اليسار.

أما ديفد برودر، فيكتب في Jacobin مقالا يعكس خيبة الأمل الشديدة من النتائج، وعنوانه "أنا أبكي، أنتم تبكون، ولكن يومنا سيأتي". وفي مكان آخر من المقال يكتب أننا "كنّا في السابق، عددا قليلا نبكي لوحدنا، وأنّ عزاءنا اليوم أنّنا نبكي معًا؛ آلاف وعشرات الآلاف من النشطاء انضموا وتفرغوا لمعركة استعادة مفهوم الاشتراكية والعدالة ومناهضة النيوليبرالية في بريطانيا، وقد آن الأوان لإعادة التنظم والانطلاق مجددًا".

بطبيعة الحال، ستكون هناك مراجعات أكثر شمولية وعمقًا واستشرافًا للمستقبل، واستنتاجات بخصوص كيفية استئناف المعركة الاجتماعية التحررية وتحقيق العدالة للناس. ليس إعلان كوربن استقالته من المعركة الانتخابية القادمة، نهاية المطاف، وإن كانت نهضة التيار الاشتراكي داخل الحزب ارتبطت باسمه كمحارب قديم، لا يكل عن القتال. يوجد إصرار، كما تتالت التصريحات من قادة هذا التيار ومنظريه ونشطائه، بما فيه كوربن، على مواصلة البناء على ما تحقق في الأربعة أعوام الأخيرة، من إعادة قضية الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وما تتضمنه من قيم التكافل والتضامن الداخلي إلى السياسة. هناك الآن مئات الآلاف من الجيل الشاب الذين تشربوا أفكار العدالة الاجتماعية.

ورغم الهجوم الضاري الذي تشنه القوى النيوليبرالية والشعبوية على حقوق الناس اليومية والأساسية، تمكن اليساريون والقوى الديمقراطية الراديكالية والحَراكات الشبابية الواسعة، ليس فقط في بريطانيا، بل في أميركا واليونان وإسبانيا وفرنسا، بالإضافة إلى الثورات العظيمة في الوطن العربي، من استعادة السياسة وإعادة مفاهيم المساواة والاشتراكية والديمقراطية والحريات الفردية، وهي تتضمن معارك طبقية، في مواجهة كل ما جلبته النيوليبرالية من ويلات على المجتمعات المحلية، وكذلك على السلم العالمي والتهديدات ضد البشرية ككل.

إن التحدي الذي يقف امام الحركات التحررية وأنصار العدالة الاجتماعية في الغرب، هو القدرة على التخلص تمامًا من إرث الحركة الشيوعية الكلاسيكية، ومن النزعات الشعبوية داخل الاتجاهات اليسارية الجديدة، سواء في أميركا اللاتينية أو في قارات ودول أخرى، والقدرة على ابتكار نماذج اقتصادية واجتماعية حديثة تقوم على العدالة الاجتماعية وعلى الديمقراطية والحريات الليبرالية. كل ذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار التحولات الجذرية التي طرأت على بنية وثقافة المجتمعات والطبقة العاملة والطبقة الوسطى، في ظل عقود من تسيّد النظام النيوليبرالي والعولمة. وبالفعل، هناك أدبيات ضخمة تتشكل منذ فترة، تتناول فكر اليسار وضرورة تطويره وتحويله إلى رافعة للتغيير الحقيقي، مثلما هناك أدبيات وأبحاث عميقة لواقع الاستبداد في العالم العربي، وكيفية إحداث عملية تغيير ديمقراطي ونهوض مجتمعي.

إن أزمة النظام الرأسمالي المتوحش المتفاقمة، وسياساته التدميرية وممارساته الوحشية، لا تترك خيارًا أمام الشعوب وطلائعها سوى مواصلة كفاحها وانخراطها في عملية بناء البدائل، من أجل الانعتاق الإنساني الشامل. وهذا ينطبق أيضًا على الشعوب العربية الثائرة وغير الثائرة، بما فيها شعب فلسطين. ولا يجب أن تمنع مكونات وظروف هذه الثورات، الالتحام بالحركات الاجتماعية والسياسية التحررية في العالم. وستحتاج في اعتقادي هذه الثورات جميعًا، إلى تشبيك حقيقي ومركز واحد، ديمقراطي ومتعدد المناحي الفكرية، لأنها جميعها تعيش تحت نظام عالمي استبدادي نيوليبرالي وأنظمة محلية إجرامية، لا بد من مواجهتها مجتمعين بخطاب ديمقراطي إنساني يشمل العدالة الاجتماعية، وهذا موضوع آخر بحد ذاته. نتمنى أن يواصل التصدي لهذا النظام بوضوح أكثر من قبل مئات الخبراء والمجربين.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة