المشتركة: التوصية ثلاثيّة... الخسارة رباعيّة؟

المشتركة: التوصية ثلاثيّة... الخسارة رباعيّة؟

أحمد دراوشة

إن لم يطرأ أي طارئ، فعلى الأرجح بحسب تصريحات نواب في القائمة المشتركة، أن توصي 3 مركبات في القائمة بالجنرال بيني غانتس لتشكيل الحكومة المقبلة. الحكومة الإسرائيليّة المقبلة، للدقّة، لمن قد تضلّله الحماسة و"قلق السعي إلى المكانة" عن ذلك.

توحي تصريحات النائب أيمن عودة، مؤخرًا، بأنه تراجع عن موقف التوصية السابق، إلا أنها ليست كذلك. يقول الجنرال غانتس إنه لا يريد دعم المشتركة له، لا من داخل الحكومة ولا من خارجها. ولا حاجة لخبراء لغة جسد لمعرفة أنه يقولها باشمئزاز، وكإبعادٍ عن نفسه عارًا أو تهمةً. ثم يتبعها معلّلا، بعد ذلك بأيّام، "خلافنا مع القائمة المشتركة على القضايا القوميّة". ومن يتابع المشهد السياسي الإسرائيلي يعرف أنّ ما قاله غانتس هو تصعيد وليس حصرًا، هو يصعّد "الخلاف" مع المشتركة إلى مستوى القضايا القوميّة، ولا يحصره فيه دون غيره.

هذه القراءة تبدو مختلفة عند النائب عودة، الذي ردّت "أوساطه" للقناة 12 (الأربعاء الماضي) على تصريحات غانتس بالقول: هناك "فجوات" في القضايا السياسيّة، لكن هذا (الخطاب) خطوة صحيحة في القضايا المدنيّة. التبرّؤ من الترانسفير متأخر لكنه أفضل من ألّا يكون أبدًا.

منذ الإعلان عن الخطة الأميركيّة لتسوية القضيّة الفلسطينيّة، المعروفة باسم "صفقة القرن"، تركّز الموقف من غانتس على بند نقل منطقة المثلّث إلى سيادة دولة فلسطينيّة محتملة. تراجع النائب عودة، ومن خلفه نوّاب في المشتركة، عن مطالب سابقة كانوا وضعوها في الجولة الانتخابيّة السابقة، منها وقف الهدم مثلا.

وضعت المشتركة لنفسها شروطًا لتقوم بالتوصية بغانتس، لم يتحقّق منها إلا النتيجة، أي التوصية بغانتس، أما الشروط فيتراجع سقفها يومًا بعد آخر. من يذكر الشروط الأربعة التي وضعها النائب عودة قبل نصف عام في اللقاء الشهير مع الصحافي ناحوم برنيّاع في "يديعوت أحرونوت"؟ قيل إنها للمناورة، قيل كذلك إنها لطرح موقف سياسي في انتخابات شخصيّة، قيل أكثر من ذلك: لفضح غانتس الذي لا يتخلف عن نتنياهو. ما حدث، في نهاية المطاف، أن التوصيّة جرت، وأن الشروط التي وضعها عودة لنفسه، أسقطها هو، بيده!

أما التوصية، فكان الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، كفيلا بإسقاطها، فتبرّأ منها قائلا إنها بلا فائدة، بعدما استاء منها غانتس، لأنّها جاءته في توقيت سياسي غير مريح.

إلا أن هذا التشاوف الإسرائيلي يُقابل بمزيد من التنازلات عربيًا، لا يبدو أن لها قاعًا قد نصل إليه قريبًا.

عن دور التجمّع

بدا التجمّع وكأنه خرج منتصرًا من هذه الجولة، مشدّدًا على الموقف المبدئي من التوصية، الذي دفعت لتبنّيه قطاعات شبابيّة وطلابيّة واسعة داخل الهيئات المنتخبة في الحزب وخارجها، متشبّثة بموقف جذري - مبدئي لا علاقة له بتقلبات اللعبة السياسيّة الإسرائيليّة؛ هذا الانطباع صحيح، إلى حدٍ ما، إلا أنه منقوص.

وإن كان ما جرى من الماضي، ولو كان قريبًا، إلا أن المستقبل هو الأهم: التوصية ستحصل على الأرجح، فكيف سيتعامل التجمّع معها؟ حتى الآن الانطباع هو أن التجمع سيرفض التوصيّة كما في السابق، في حين سيدفع باتجاهها الجبهة والإسلاميّة وأحمد طيبي. أي سيتكرّر ما جرى في الانتخابات الماضية مع فارق في عدد الموصين، بحسب عدد المقاعد التي ستحصل عليها المشتركة.

غير أن هذا لا يكفي. فإن تذرّعَ التجمع المرّة الماضيّة بأن ظروف التوصية كانت مغايرةً، وأنَ طرْحَها بشكل مفاجئ ترك له الاكتفاء بالامتناع عن التوصية فقط، فإن الظروف هذه المرّة مختلفة، فالتوصية هي الرّاجحة، وجارٍ البحث عن ذريعة لها، حتى لو تهافتت سريعًا.

لكنّنا نعرف أن نوابا في الجبهة ليسوا راضين عن التوصية، أبرزهم النائبة عايدة توما، وأن موقف أيمن عودة هو موقف أقلّوي داخل كتلة الجبهة. أما خارج الكتلة، فتعارضها شخصيات جبهوية لها تأثيرها الحزبي، مثل رئيس لجنة المتابعة، محمّد بركة وسكرتير الجبهة، منصور دهامشة. وإن كان النقاش في الحركة الإسلاميّة أقلّ حدّة منه في الجبهة، إلا أن هناك تباينات في الموقف من التوصية، منها موقف النائبين السابقين إبراهيم عبد الله ومسعود غنايم.

المطلوب أن يحوّل التجمع موقفه إلى برنامج عمل، وأن يتعاطى مع نفسه كتيّار سياسي مركزيّ لا يكتفي بطرح موقفه فقط، وقصر النقاش على الكتلة البرلمانيّة. فالنقاش على التوصية هو نقاش على التجمّع وعلى مشروعه السياسيّ كلّه، وعن حجم العمل البرلماني فيه، وإن كان حزبا برلمانيًا أو حزبًا يشكّل العمل البرلماني ذراعًا من أذرعه المتعدّدة، سياسيًا وشعبيًا؛ وهو نقاش كذلك على الخطاب السياسي الذي جاء به التجمّع بعد أوسلو وتعزّز شعبيًا بعد هبّة القدس والأقصى في العام 2000.

المطلوب من التجمّع، على المدى القريب، الانفتاح إلى القطاعات المعارضة للتوصية في الحزب الشيوعي والجبهة للاتفاق على خطوط عريضة رافضة للتوصية، طالما أن هناك كتلة وازنة داخل الجبهة رافضة لها وللتنازل المجّاني أمام حزب الجنرالات، وأن يجري حوارًا كذلك مع المكتب السياسي في الإسلامية (أو مجلس الشورى) للتوصل إلى موقف موحّد من التوصية بغانتس، طالما أن النائب عباس يصرح عن الديمقراطيّة والمأسسة داخل الحركة الإسلاميّة.

ما يعني أنّ على التجمّع التعامل مع القضيّة كحزب، وألا يقصرها على كتلته البرلمانيّة، وأن يتجاوز الخطأ القاتل باعتبار هذه الكتلة، وعددها ثلاثة نواب، حدًا أقصى لدوره السياسي، بينما هي يجب أن تكون نقطة انطلاق.

اختبار نوايا

لكن هذا "التلاقي" لا يجب أن يقتصر السعي إليه على التجمع فحسب، إنما يطرح جديّة المعارضة للتوصية داخل الجبهة والحزب الشيوعي، وإن كانت تشير إلى تحوّل في الموقف المبدئي الرافض مثلا لمأسسة لجنة المتابعة أو تحوّل في القيمة العليا التي يفردها الحزب لنوابه في الكنيست على حساب أدوار حزبيّة أخرى، أو الإصرار على محاولة الانفراد بقيادة العمل السياسي في الداخل، بخطابٍ سقفه معروف. وما دون ذلك، فلن تتجاوز المعارضة للتوصية سقف المزايدات أو التنافس الشخصي المحموم بين تيارين داخل الجبهة، لم يعد وجودهما سرًا.

وهو، إسلاميًا، فحص لنيّة القيادات الإسلامية على وقف التدهور في الخطاب السياسي مؤخرًا، وتحديدًا منذ حظر الشقّ الشمالي من الحركة، حيث تخشى أن يتم وصمها بالتطرف تمهيدًا لحظرها، رغم تمسّك جميع التيارات السياسية في الداخل بالعمل السياسي السلمي والشعبي والقانوني، حتّى ضد النظام الصهيوني وجوهره.

عودة إلى التجمّع

المطلوب على المدى البعيد، أن يراجع التجمع عمله السياسي مؤخرًا ككل، وأن يعود إلى المربع الأول الذي انطلقت منه شعبيّته: الانفتاح على الأحزاب والتيارات غير الممثّلة برلمانيًا، بناء اللجان الشعبية في المدن والقرى، التواصل الشعبي المباشر والحشد بناءً عليه، والعودة إلى مركزيّة مناهضة الصهيونيّة والنظام الصهيونيّ في البرنامج السياسي، الانفتاح على التيارات السياسية في باقي الأراضي الفلسطينيّة والوطن العربي، بناء المؤسسات ولجان المرأة والجمعيّات وغيرها.

أمّا إن لم يحشد التجمّع لموقفه الرافض للتوصية سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا، وإن لم يحاول أن يخلق رأيا عامًا بدأ يتبلور جرّاء التعامل الاستعلائي والعنصري لجنرالات "كاحول لافان" مع التنازلات السابقة من المشتركة، فإنه سيكون حوّل نفسه إلى كتلة سوداء وصمّاء في المشتركة، فاقدة لأيّ تأثير، "خالف تعرف" كما رماه خصومه أكثر من مرّة، مواقفه معروفة من قبل ولا داعي لنقاشه، يشبه تمامًا الصورة التي يرسمها الإعلام الإسرائيلي عن الأحزاب الحريديّة.

ومناط هذا كلّه في طريقة التعاطي مع المشتركة كإنجاز سياسي أو كإنجاز انتخابي فقط. من يعتبرها إنجازًا سياسيًا يعرف أن مقتلها يكمن في غياب بوصلتها السياسيّة، والتجمع هو الأجدر بهذه المسؤوليّة استنادًا إلى تجارب سابقة، وضعف صوته لن يصيبه وحده بمقتل، بل سيصيب المشتركة أيضًا.