في وفاة جورج ستاينر

في وفاة جورج ستاينر

أنطوان شلحت

"موت المُستفز"؛ "رحيل أحد المعارضين المبدئيين للحركة الصهيونية"؛ "وفاة المفكر المعروف بمناهضته للصهيونية، والمتمسّك برؤية أن الوجود اليهودي في الدياسبورا هو المثاليّ".. هذه نماذج من عناوين ظهرت في وسائل إعلام إسرائيلية أخيرًا مع نشر نبأ موت المفكر والناقد الأدبي الأميركي اليهودي، فرنسي المولد، جورج ستاينر.

وركّزت التقارير الإسرائيلية عن موته على روايته الخيالية القصيرة "نقل أ. هـ إلى سان كريستوبل" (1979)، والتي تدور أحداثها حول صيادين يهود يعثرون على أدولف هتلر، ويشير إليه بأول حرفين من اسمه واسم عائلته، حيًّا في غابات الأمازون بعد ثلاثين عامًا من نهاية الحرب العالمية الثانية، ويقرّرون نقله من هناك بغية تقديمه إلى المحاكمة.

وتعترض عملية النقل صعوباتٌ شتى، في وقت تتلقى مجموعة الصيادين المرتبطة بعدة أجهزة استخبارات، في مقدمها الموساد الإسرائيلي، تعليماتٍ بكم فم هتلر، وعدم الإنصات إليه، خشية أن يفلح في جرّها إلى التماهي مع طعونه المنطقية.

ومع إدامة تعثّر عملية النقل، تقرّر المجموعة أن تحاكم المُعتقل، وأن تتيح له إمكان تقديم وثيقة دفاع عما اقترفه. وفي هذه الوثيقة التي تشكل الفصل الأخير من الرواية، يعرض هتلر أطروحاتٍ تثير تساؤلات تتعلق بتأثير الماضي على الحاضر، سيما فيما يتعلق بإقامة إسرائيل "بيتا قوميا" لليهود. وتنتهي الرواية بوصول طائرات مروحية ستتكفل بنقل الجميع من الأدغال، قبل أن يستقر رأيهم بشأن فحوى الحُكم النهائي، على نحو يثير الانطباع بأن الشخص الذي خضع للتوّ إلى المحاكمة سيُبرأ من كل التهم الموجّهة إليه، ما أثار هجوماً كاسحاً على الرواية ومؤلفها.

من أكثر الأطروحات إثارة للتساؤل إشارة هتلر إلى أن فكرة العرق الأسمى، والحاجة إلى إبادة الشعوب الأخرى، التي وقفت في صلب الأيديولوجيا النازية، يهودية في الأصل. وللبرهنة على ذلك، يقتبس آيات من سفر يهوشع في التوراة. وبناء على هذا، لا بد أن تفضي محاكمة هذه الفكرة، من ناحية المنطق التسلسلي، إلى محاكمة المجموعة التي ألقت القبض عليه.

وتفيد الأطروحة الثانية بأن الجرائم التي ارتكبتها النازية لم تكن أكثر فظاعة من جرائم أخرى، كالتي ارتكبتها بلجيكا في الكونغو، والتي ارتكبها ستالين في الاتحاد السوفياتي، على سبيل المثال.

بيد أن الأطروحة الأشد دلالة كامنة في ادّعاء هتلر أنه، بكيفية ما، هو بمثابة المسيح اليهودي المنتظر، وأنه من دون "الهولوكوست" ما كان ممكناً أن تقوم أي قائمة لدولة الاحتلال. ونظراً إلى أن هتلر هو المسؤول الأول عن "الهولوكوست"، ولولاها لما حظي اليهود بعطف العالم، وتأييده لدى إقامة دولتهم في فلسطين، يجب التعامل معه مجازًا بصفته المؤسّس الحقيقي لإسرائيل. وأكثر من ذلك باعتباره الشخص الذي حرّر الإسرائيليين من أي شعور بعذاب الضمير حيال الجرائم التي نفذوها بحق الفلسطينيين.

ومما كتبه ستاينر على لسان هتلر بهذا الصدد: "أمدّتكم الهولوكوست بالشجاعة المطلوبة لارتكاب الأفعال الآثمة التي قمتم بها، وتسبّبت بطردكم العربي من بيته وحقله، لكونه عديم القدرة، ولوقوفه في طريقكم. والهولوكوست أتاحت لكم إمكان العيش، على الرغم من معرفتكم أن الذين طردتموهم يتعفنون في مخيمات لاجئين، على بعد أقل من عشرة أميال منكم، وهم مدفونون في الحياة، ينخرهم اليأس وشهوة الانتقام". كما يشير، في موضع آخر، إلى أن مؤلف ثيودور هرتزل "الدولة اليهودية" مكتوب بلغة بيسماركية، والحلم الصهيوني الذي يتضمنه مصوغٌ، مبنىً ومعنىً، وفقًا للحلم القومي الألماني.

هكذا استحضر ستاينر جانبًا من ماضٍ يهوديّ مرتبط بذاكرة الهولوكوست، وحاول دفع هذا الجانب نحو موقع مركزي في مساءلاتٍ تبدو مستحقةً بقراءته، تتعلق بارتباط دولة الاحتلال بالمسألة الفلسطينية، مُلمّحًا إلى أنها كيان يحمل بذور قوى شرّ، وتبعًا لذلك تحوّل إلى جلادٍ لا يسوم العذاب لفرد أو أفراد، وإنما لشعبٍ آخر.

اقرأ/ي أيضًا | ترامب في عيني إسرائيل