إسرائيل وشؤم العقد الثامن!

إسرائيل وشؤم العقد الثامن!

سليمان أبو إرشيد

يتشاءم الإسرائيليون من العقد الثامن الذي دخلت فيه "دولة اليهود الثالثة" التي جرى تأسيسها في فلسطين، لأن الدولتين اليهوديتين السابقتين اللتين جرى تأسيسهما في البلاد، وفق الرواية اليهودية، "مملكة داوود" ومملكة الحشمونائيم، لم تستطيعا تجاوز العقد الثامن من عمرهما.

أما الدولة الأولى، المسماة بـ"مملكة داوود" والتي جاء ذكرها في التوراة كمملكة جمعت كل أسباط بني إسرائيل الإثني عشرة، وسماها باحثو التوراة بـ"مملكة إسرائيل" الموحدة للتفريق بينها وبين "مملكة إسرائيل" التي انفصلت عنها لاحقًا إضافةً إلى مملكة يهوذا. هذه المملكة (مملكة داوود) كانت بداياتها في عهد الملك شاؤول الأول، حوالي 1020 قبل الميلاد، بمثابة همزة الوصل بين التنظيم العشائري المتفكك وبين إقامة دولة ملكية شاملة توطدت في عهد خلفه الملك داود، عام 1004 قبل الميلاد وانقسمت بعد موت خلفه الملك سليمان عام 930 حيث دام عمرها 76 عاما.

والدولة الثانية التي يقصدونها هي ما تسمى بـ"مملكة الحشمونائيم"، التي تأسست عام 140 قبل الميلاد وانتهت بسيطرة الإمبراطورية الرومانية على البلاد، عام 63 قبل الميلاد ودام عمرها 77 عاما.

وقد كان لافتا تذكير نفتالي بينيت المنتمي لتيار "الصهيونية الدينية" بهذه الحقيقة، ليس بصفته زعيم اتجاه ديني سياسي، بل كوزير للأمن، حيث قال خلال مؤتمر صحافي تحدث فيه مؤخرا عن التهديدات الأمنية التي تواجه إسرائيل، وفق ما نقلت صحيفة "ماكور ريشون"، "إننا داخل العقد الثامن لدولة إسرائيل، وفي تاريخنا كله، كان لنا دولتين هنا في أرض إسرائيل، لكن لم ننجح أبدا في عبور العقد الثامن كدولة موحدة وذات سيادة".

وسبق أن حذر من ذلك أيضا رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، خلال ندوة دينية كان قد استضافها هو وزوجته، سارة نتنياهو، في بيتهما، قال فيها الأخير أن مملكة الحشمونائيم نجت فقط 80 عاما، وأنه يعمل على ضمان نجاة دولة إسرائيل من المخاطر الوجودية لتصل إلى عمر 100 عام.

في هذا السياق خرج هذا الأسبوع رئيس مجلس الأمن القومي السابق، الجنرال في الاحتياط عوزي ديان، بمقال تحت عنوان " إسرائيل في امتحان العقد الثامن"، أعاد فيه إلى أذهان المواطنين اليهود في إسرائيل شؤم العقد الثامن بالمملكتين اليهوديتين السابقتين، وأضاف إليهما العديد من التجارب الدولية التي تفيد بأن العقد الثامن هو عقد محمل بالمخاطر وكثيرا ما انتهى بـ"تفكك عنيف"، على حد تعبيره.

ديان، وفي مقال مشترك مع بروفيسور مئير بن شاحر من جامعة تل أبيب، نشر في صحيفة "هآرتس" في الـ26 من شباط/ فبراير، يسردان كيف أقام الملك داوود مملكته الموحدة بعد صراع بين أسباط إسرائيل، دام ست سنوات ونصف، وكيف أدت الإحباطات والتوترات التي لم تتوقف بين أسباطها إلى انقسامها بعد ما يزيد عن 70 سنة إلى دولتين متنازعتين.

وفي السياق الدولي، لا يتوقف شؤم العقد الثامن عند الحرب الأهلية الأميركية، التي قتل فيها نصف مليون إنسان ووقعت بعد 74 عاما على تأسيس الولايات المتحدة عام 1776 والتسوية بين ولاياتها الـ13 حول الدستور في قضية العبودية عام 1787، بل يطال انهيار الاتحاد السوفييتي بعد 70 عاما على تأسيسه، والتفكك الذي أصاب دول الأنظمة القومية العربية في عقدها الثامن والتي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية والذي انتهى في بعض دولها إلى حرب أهلية.

وبالعودة إلى إسرائيل، لا يرى الكاتبان أن العقد الثامن سيضع لها النهاية بالضرورة، رغم خطوط الكسر الكثيرة التي تقسم المجتمع الإسرائيلي، لأن دولة إسرائيل اليوم قوية اقتصاديا وسياسيا، إلا أنهما يحذران من أن الثقة المفرطة باستمرار بقائها إلى جانب صراع سياسي لا هوادة فيه، من شأنه أن يحول الأزمة السياسية إلى أزمة اقتصادية، ومن هناك قصيرة هي الطريق إلى أزمة اجتماعية مستعصية.

هذا إذا ما أدركنا أن إسرائيل باتت في بداية "العقد المشؤوم".