"اشتراكية" ساندرز في السياق الأميركي

"اشتراكية" ساندرز في السياق الأميركي

عوض عبد الفتاح

ليس مؤكدًا أن عموم الناس، خصوصًا في فلسطين والعالم العربي، الذين يتابعون حملة الاشتراكي – الديمقراطي، بيرني ساندرز، في إطار السباق داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، للفوز بالترشح للرئاسة ومواجهة الرئيس دونالد ترامب، هم منتبهون أو مدركون للوزن الحقيقي للبرنامج الاجتماعي والاقتصادي وصبغته الاشتراكية الذي يطرحه، وأثره في المجتمع الأميركي ومن ثم في النظام العالمي.

ومن الواضح أن أكثر ما يشدهم هو الموقف من إسرائيل، الذي حسب ما يصرح به أنه سيكون مختلفًا عن السياسة الأميركية التقليدية. واعتقد أن الشيء ذاته ينطبق على موقفهم من جيرمي كوربين، الذي كان أكثر راديكالية سواء في ما يتعلق بإسرائيل أو بالقضية الاجتماعية، مقارنة بساندرز.

ولا ينتبه كثيرون أنه في حالة نجاح ساندرز أو أي مرشح للرئاسة الأميركية، يحمل برنامجًا داخليًا شبيهًا سينعكس بالضرورة على السياسة الخارجية الأميركية، ومنها المتصلة بإسرائيل وسياساتها العدوانية.

وكما هو معلوم، فقد مني كوربين بهزيمة ساحقة في التنافس على رئاسة الحكومة البريطانية، أمام اليميني الشعبوي بوريس جونسن، بعد حملات شرسة منهجية شنها الإعلام الرأسمالي واللوبي الصهيوني، ومؤسسة حزب العمال البيروقراطية، على توجهاته السياسية والأيديولوجية، وعليه شخصيًا.

يمر ساندرز بمسارٍ مشابه ويتعرض لحملاتٍ سامّة مشابهة من الطبقة الرأسمالية والإعلام التابع لها، فضلا عن منظمة "إيباك" الصهيونية، منذ الحملة الأولى التي خاضها في السباق الحزبي الداخلي عام 2016. ورغم هذه الحملات الشرسة، كاد يفوز آنذاك على هيلاري كلينتون.

في الحملة الحالية، حقق منذ بداياتها إنجازات هامة، وكان حتى أوائل الشهر الجاري متفوقًا على جميع منافسيه، غير أن انسحاب معظم زملائه المتنافسين المحسوبين على مؤسسة الحزب البيروقراطية المحافظة لصالح جو بايدن، ضمن خطة للانقضاض عليه، أضعفت فرصه بالفوز إلى حدٍ كبير، وإن كان هناك من يقدر أن كل الاحتمالات ممكنة. بالتأكيد إنّ خسارة ثانية له، لمواجهة ترامب، ستكون نكسة ثانية لمشروعه، والذي خاطب فيه عشرات الملايين من الأميركيين منذ انطلاق حملته على مدار السنوات الماضية. وإذا أضفنا إلى ذلك خسارة كوربين، فإن أنصار التغيير سيتعرضون لضربة معنوية شديدة، من شأنها أن تزعزع الثقة في إمكانية تحقيق التغيير في المدى القريب.

يتناقش بعض الأكاديميين والمثقفين والنشطاء حول ما إذا كان يجب التعويل على ساندرز، كونه ليس راديكاليًا، وأنّ تأييده للقضية الفلسطينية وانتقاده للسياسة الأميركية تجاه إسرائيل، لا يشفع له لأنه مؤيد لإسرائيل أيضًا، ولأنه ليس جذريًا في مناهضة المنظومة الأميركية الرأسمالية الإمبريالية. نعم، ساندرز ليس راديكاليًا بمقاييس اليسار عامة، ولا نتفق مع بعض مواقفه، واشتراكيته ليست كما اشتراكية كوربين، ولكن يجب النظر إلى مواقفه وفق معايير الثقافة الأميركية.

ومن الأهمية بمكان، التذكير أن النقاش داخل الفكر الاشتراكي حول أنماط الاشتراكية ما زال مستمرًا ومن دون توقف، منذ 150 عاًنا، واتخذ الاختلاف والتنافس أشكالاً مختلفة منها الناعم ومنها الخشن، ومنها الدموي والتصفيات الجسدية

ما هي أهمية حملة ساندرز؟ وكيف حقق هذا الالتفاف الشعبي، خصوصًا في أوساط الجيل الشاب، وهو الكهل ابن الثامنة والسبعين؟ وهل عدم فوزه سيعني نهاية الحلم بوجود بديل إنساني عما هو قائم في أميركا وفي العالم؟

ليس صحيحًا تقييم مواقف وأفعال ساندرز بمعزل عن سياق التاريخ الأميركي، وثقافة المجتمع هناك. ولا بد من النظر إلى هذه المواقف وحركته بالمقاييس الأميركية.

يقول المفكر السياسي اليساري وعالم اللسانيات الشهير، نوعام تشومسكي، في آخر مقابلة مطولة له، نشرت في مجلة "جاكوبين" ألإلكترونية، إن ساندرز يتبنى اشتراكية مخففة (soft socialism). ويضيف أن العداء لبيرني ساندرز ليس بسبب مواقفه السياسية في الأساس، إنّما لأنّه نجح في استنهاض حركة شعبية واسعة ميدانية، التي لا تظهر كل أربع سنوات فقط لتضغط على زر التصويت، ثم تعود إلى البيت انتظارا للمعركة الانتخابية القادمة، بل لأنها تنشط باستمرار وتضغط من أجل التغيير وتحقيق النجاحات".

ويوضح تشومسكي أنه "أنظر إلى ساندرز، حقق كل هذه الحركة الشعبية من دون دعم إعلامي (الشركات الكبرى)، ومن دون دعم رجال الأعمال، ولا تمويل من الأغنياء، وكاد أن يفوز عام 2016 بالترشح عن الحزب الديمقراطي للرئاسة، بفضل القوى الشعبية".

يستبعد تشومسكي فوز ساندرز بالترشح عن حزبه، بسبب عداء المؤسسة له، ولكن يستدرك بأن "إذا حصلت معجزة وفاز، فسيكون من الصعب عليه إحداث التغيير بسبب تركيبة الكونغرس".

ويعتقد تشومسكي أن ما ينقص الساحة الأميركي التي يحتاجه أي رئيس مثل ساندرز أو حتى من هو أكثر راديكالية منه، هو حركة عمالية قوية ومنظمة تستطيع أن تكون خلفه، لتسنده في مواجهة طبقة رجال الأعمال القوية والمنظمة التي تحارب بشراسة تيار ساندرز.

ويتفق كثيرون من أصحاب الفكري اليساري، أو الاشتراكي الديمقراطي أو الديمقراطي الراديكالي في الساحة الأميركي، مع تحليل تشومسكي، إذ يقول المفكر الماركسي المعروف ريتشارد وولف، وهو مؤلف كتاب "كيف نفهم الاشتراكية؟"، في ندوة تلفزيونية في قناة Democracy Now ، إن ساندرز تمكن من كسر "التابو" حول الاشتراكية؛ هذا "التابو" الذي كان مفروضًا من المؤسسة الأميركية وإعلامها ونخبها، وأعاد فتح النقاش والتساؤل أمام ملايين الشباب حول النظام الرأسمالي، وبأنه نظام 1٪ من الأغنياء مقابل الـ99٪ من الشعب.

إن حملة كوربين، وكذلك حملة ساندرز، اللذين ثابرا على مواقفهما المبدئية والأخلاقية على مدار السنين، ولم يتخليا عن مبادئهما رغم تقدم السن، إضافة إلى قوى عديدة في أوروبا، ذات التوجه نحو العدالة الاجتماعية والاشتراكية والديمقراطية، وكلها تؤكد على أن البشرية لن تستكين أمام وحشية النظام الرأسمالي وغير العادل، وستظل تكافح من أجل الإنسان وتحرره وكرامته، حتى لو هُزمت في معركة أو أكثر، وستتمكن من إحداث التغيير في نهاية المطاف.

ونحن، الشعب الفلسطيني، جزء من هذا النضال الكوني، ونحتاج فقط إلى موضعة أنفسنا فيه، على أساس فهمنا لأهمية كونية النضال والعدالة.