إضاءات على إسرائيل: ليست خللاً بالحكم، بل بالجذور الكولونيالية

إضاءات على إسرائيل: ليست خللاً بالحكم، بل بالجذور الكولونيالية

محمد زيدان

يصف بعض المراقبين ما تمر به إسرائيل هذه الأيام، باعتبارها الأزمة الأكثر عمقًا منذ تأسيسها، خصوصًا أنها تأتي متشابكة مع الأزمة الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، وما يشكله من تحديات على الصحة العامة. يرى المراقب لهذا المشهد، الشعبوية والإثارة التي يتم تداول الأزمة بها، تلك الشعبوية التي صارت تتجلى، ليس في الرأي العام والسياسة اليومية في الشارع فحسب، وإنما في عصب النظام وجذر مواقع اتخاذ القرار، بعد أن سيطرت على خطاب الجهاز المركزي ومنظمات الحكم، وانتقلت بتشجيع الحزب الحاكم (الليكود)، لتصبح التيار المركزي في الخطاب السياسي السائد.

تواجه بديهيات الحكم في النظام الديمقراطي المفترض في الدولة، تحديات استعمال أدوات النظام ذاته من أجل هدمه أو تغيير قواعده، فمطلب "احترام نتائج الانتخابات" صار عتلة في ترسيخ دكتاتورية من يصدر القرارات، وقيادة سياسية تحاول تثبيت إرادتها وتحقيق مصالحها على الأرض، بكل الأثمان.

ويكثر الحديث عن تحديات جدية لمبدأ "سيادة القانون"، وتوصيف ما يجري باعتباره "صراع بين السلطات الأساسية للحكم، ومحاولة لإعادة رسم الحدود بينها"، بما يتلاءم مع مصالح القوى السياسية الحاكمة، وذلك بغياب قوة دستورية فعلية للضوابط والنظم التي تمكن النظام من حماية نفسه، بسبب تمسكه بالقواعد الأساسية لحماية ضوابط الدولة اليهودية من جهة، ومحاولة التمسك بالتقاليد الديمقراطية التي يسبغ بها نفسه، من جهة أخرى.

عملية هدم النظام القضائي لم تبدأ مع إعلان وزير القضاء، أمير أوحانا (الليكود) بعد منتصف الليل عن تعليق عمل المحاكم بسبب كورونا، وبالتالي تأجيل محاكمة رئيس الحكومة بالفساد، يومين فقط قبل موعدها، بل بدأت منذ سنوات طويلة سبقت وصول الليكود للحكم وتفاعل تيار الاستيطان الديني وتجنده لهذا الهدف. وقد تكون معالم هذا التدمير البطيء قد ترسخت بالمخطط الرسمي للوزيرة إييليت شاكيد لإضعاف الجهاز القضائي، والسيطرة على مؤسساته من خلال خطوات شملت تغيير في "التركيبة البشرية" للمحاكم، والتحدث بشكل علني صريح ومكتوب عن "حق الأغلبية المنتخبة بالحكم دون تعقيدات وعقبات من المحكمة العليا، باعتبارها غير منتخبة"!، أو اقتراحات لقوانين تتجاوز المحكمة العليا والرقابة القضائية، وغيرها من الخطوات التي مثلت زبدة الأيديولوجية، التي استخدمها التيار الحاكم للسيطرة على كافة مواقع السلطة ومفاتيح الدولة، بعيدًا عن الرقابة وبعض "الإزعاج" الذي مثلته المحكمة العليا والجهاز القضائي، الذي جرى التعامل معه باعتباره "أداة بيد اليسار" لتقييد قرارات اليمين المتطرف وأحزابه في السلطة التنفيذية.

ورافق هذا الاستيلاء حملة إعلامية شعبوية، لتعبئة الجمهور ضد المحكمة العليا والجهاز القضائي، من خلال تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ودعوة الوزراء بمن فيهم وزراء القضاء لعدم احترام أو تنفيذ قرارات المحكمة العليا، مثل الحديث عن الانقلاب القضائي على قرار الأغلبية اليمينية، أو مقولة "المحكمة اليسارية ضد حكم اليمين" أو "القضاة لا يمثلون إرادة الشعب"، حتى وصل الأمر لحديث أحد أعضاء الكنيست من اليمين الاستيطاني عن هدم المحكمة العليا وما تمثله، وغيرها من عشرات الشعارات الموجهة، ومئات المقابلات والتصريحات الشعبوية، التي تغلغلت حتى أصبحت تمثل عصب الرأي العام الإسرائيلي السائد، والمتمسك بحماية المشروع الأساسي المتمثل بالحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، أمام التحديات التي تواجهه سواء جاءت من الداخل أو الخارج.

ثم جاءت خطوة إغلاق الكنيست الأسبوع الماضي، ومحاولة منع إقامة اللجان التي نفذت ضمن هذا السياق لتعطيل تنفيذ نتائج الانتخابات الأخيرة فعليًا، ولمنع السلطة التشريعية من انتخاب مؤسساتها لتقوم بدورها بالرقابة على الحكومة، وبالتالي ترك الباب مفتوحاً للسلطة التنفيذية ورئيسها، لبث تحريضهم ضد النواب العرب والدعوة لمنعهم من المشاركة في اللجان البرلمانية، باعتبارهم "داعمين للإرهاب"، وترسيخ المقولات العنصرية شعبيًا، علاوة للاستبداد بقرارات الحكومة التي صارت تطلق بفعل انتشار كورونا، بموجب "أنظمة الطوارئ".

أنظمة الطوارئ الموروثة عن الانتداب البريطاني منذ عام 1945، قائمة على الأرض منذ عام 1948 ، وبقيت سارية المفعول من الناحية القانونية والفعلية، حتى بعد انتهاء الحكم العسكري، وجرى تمديد سريانها بشكل دوري شبه أوتوماتيكي (بإجماع سياسيي إسرائيلي يستثني الأحزاب العربية)، ويجري استغلال هذه الأنظمة طوال هذه السنوات بشكل متفاوت، في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 وفي الداخل أيضًا، وما قيام الشرطة بمنع المتظاهرين ضد نتنياهو من الوصول للقدس الأسبوع الماضي، سوى تجسيدًا لهذا الخطر وهذا الاستبداد، الذي تمارسه السلطة التنفيذية طوال الوقت منذ عام 1948 ضد المواطن الفلسطيني، ليس بمنع الحق بالتظاهر فحسب، بل بانتهاك حقوق الإنسان كافة، وتقييد الحريات الأساسية بالتعبير وفق المزاج السياسي السائد. وكان هذا المشهد غائبا عن المنصات الإعلامية الأشكنازية، وهو ما يمكننا من تفهم حالة المفاجأة والصدمة التي تبدو عليها، بعد توجيهها ضدها اليوم أيضًا.

المحكمة العليا لم تُحترم قراراتها منذ بداية الخمسينيات، عندما لا تتماشى قراراتها مع الرغبة السياسية للحكومة العُمالية، والإجماع الصهيوني حينها، في قضايا حق العودة للقرى التي هجرت بعد إقامة الدولة (إقرث وكفر برعم وغيرها من القرى التي نجحت باستصدار قرارات قضائية تتيح لها العودة). حينها تمردت الحكومة على القرار، وأزالت القرى في ردها على المحكمة، ولم تنفذ أيًا منها حتى الآن.

ومن الجدير ذكره، من دون الخوض في سجل المحكمة العليا وتاريخها في تثبيت الظلم الحاصل ضد المواطنين الفلسطينيين منذ عام 1948، يكفي ان نستذكر أمثلة على قراراتها في السنوات الأخيرة، مثل تثبيت قوانين "لم الشمل" وتشريع ممارسة الأبرتهايد المتمثلة في ما يسمى "لجان القبول" في التجمعات اليهودية الصغيرة، وهدم أم الحيران والعراقيب في النقب، وغيرها من القضايا التي تمتلئ بها سجلات المنظمات الحقوقية، وتطول القائمة فيها. أي إنه من المهم التذكير بالدور الذي يلعبه الجهاز القضائي والمحكمة الإسرائيلية استكمالاً لدور السلطات التشريعية والتنفيذية، ليس في إيقاع الظلم التاريخي على الشعب الفلسطيني فحسب، بل في استدامة سطوته على "غير اليهود" في الدولة اليهودية أيضًا.

هي إذًا ليست مجرد مشكلة أو خلل في عملية "فصل السلطات" في الدولة، بل أزمة بنيوية في نظام الحكم، الذي وضعت أسسه على قاعدة كولونيالية، بعد "الانتصار" الذي حققته الحركة الصهيونية عام 1948 بالنكبة الفلسطينية، واستخدمت أداوته الاستبدادية والعسكرية غير الديمقراطية ضد "غير اليهود" منذ ذلك الوقت، والآن صار يستخدم بشكل علني، ضد غير المنتظمين في المزرعة الأيديولوجية لليمين، الذي تمكن من السيطرة على مفاتيح الحكم وجرّد "طبقة المثقفين" أو النخب الأوروبية الأشكنازية من معظمها!

بالنسبة للفلسطيني، وحتى من دون الحديث عن موبقات الاحتلال وجرائمه في الضفة وغزة منذ عام 1967، فإن إسرائيل لم تكن ديمقراطية منذ تأسيسها، ومظاهرات المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل كانت تقمع طوال الوقت× شهداء يوم الأرض وأكتوبر 2000 والانتفاضة الفلسطينية تشهد على ذلك. استخدام الجيش لقمع العرب لم يتوقف أبدًا في الهدم ومهاجمة المتظاهرين والمدنيين، منذ مجزرة كفر قاسم وحتى اليوم، وعمليات الهدم المتكررة على طول الوطن!

الواقع كان استبداديًا منذ البداية، لكن صرخة العرب (أو غير اليهود!) لم تكن مسموعة حينها، والآن صرخة النخب الأشكنازية وبعض من يطلقون على أنفسهم صفة "اليسار"، صارت مسموعة وواضحة بفعل ما تبقى من حيز في وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن تسلل "اليمين " إلى عقر قلاعهم الإعلامية المحرمة على الصوت العربي أن يصرخ من خلالها.

(ناشط حقوقي ومحلل سياسي)