الأوبئة: العدوى والإدمان.. الخير والشر

الأوبئة: العدوى والإدمان.. الخير والشر

رامي منصور

ليست الأوبئة حالة لا تاريخية؛ لا تُقتصر على الفيروسات والبكتيريا. في الولايات المتحدة هناك وباء السمنة الزائدة، وكذلك وباء استخدام الأدوية المسكنة Opioid epidemic، الذي فتك بمئتي ألف أميركي في عقدين، لدرجة أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعلن في العام 2017 عن حالة طوارئ صحية لمواجهة هذا الوباء، وفي العام 2015 توفي نحو 30 ألف أميركي نتيجة الإدمان على المسكنات.

ليست الأوبئة حالة لا تاريخية، لكن تتبادر إلى أذهاننا دائمًا أوبئة مثل الطاعون أو الحمة الصفراء أو المالطية. لكن لكل وباء سياقه التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. الشيء الثابت في أزمان الأوبئة مثل وباء كورونا في أيامنا، وقبله الطاعون وغيره، أي الأوبئة الفيروسية أو البكتيرية، هو سلوك البشر وديناميكية المجتمع، التي يحركها الخوف من العدوى أو المرض أو الموت، المرض أو الموت الشخصي أو لأقارب، وفي الوقت نفسه شعور التضامن، على أبسط أشكاله، كما ظهر في لقطات مصورة في إيطاليا، والمواطنون يغنون النشيد الوطني من على شرفات منازلهم. فجأة اكتشف البشر أن مصيرهم الشخصي والفردي مرتبط بالمصير الجماعي وليس بـ"الإيغو" أو الثروة، وأنه لا يوجد أي مكان آمن يمكن الفرار إليه.

الأوبئة ليست حالة لا تاريخية وليست جنسًا واحدًا، لكن معظمها يرتبط مباشرة بسلوك البشر، وفي معظمها المعرفة والوقاية هي رأس الحربة لمواجهتها.

في عصرنا، في أيامنا هذه، صارت الأوبئة معولمة، لا تسلم منها أي قارة. مرة، كان الوباء ينحصر في قارة أو قارتين ينتقل عبر الاحتلالات أو التجارة، ومن ثم يصيب باقي العالم. اليوم، الوباء المعولم يصل عبر الطائرة والسفينة والسيارة إلى كل بقعة على الأرض صالحة لحياة البشر.

الأوبئة المعولمة تواجهها معرفة معولمة أيضًا. صار "العقل المُتَجاوز" عبارة عن حاسوب "خارق" يجمع معلومات من كل العالم، ويحللها بحجم وسرعة لا يتخيله عقل الإنسان. يعول عليه العلماء بأن يقدم حلولا أو لقاحًا لمواجهة كورونا. هذا لم يكن في السابق، لم يحدث ذلك لمواجهة أي وباء.

الأوبئة المعولمة قد تكون ناتجة عن "نمط حياة" أصبح معولمًا. وباء السمنة الزائدة مرتبط كليًا بنمط الحياة الأميركي؛ كذلك وباء المسكنات. هذه الأوبئة لا تنتقل من شخص لآخر، ولكنها تعدي مجتمعات بأكملها من خلال الثقافة، السينمائية أو الترفيهية مثل مسلسلات التلفزيون، أو حتى وسائل التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"إنستغرام". ومعايير الجمال والقبح تُحدد كذلك.

مفاضلة بين حياة البشر والاقتصاد

يواجه أي مسؤول في أي دولة محترمة، معضلة أخلاقية؛ المفاضلة بين عزل الناس لوقايتهم من الوباء، أي تعطيل الاقتصاد والحياة عمليًا؛ وبين اتخاذ إجراءات وقائية أقل صرامة للحفاظ على ديمومة الاقتصاد.

لا يحرك هذه المعضلة بالضرورة جشع أصحاب المال، ولكن حقيقة أن تعطل الحياة كلية سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد، وانهياره يعني انهيار المجتمع كله وزيادة انتشار الوباء. إذا انهار الاقتصاد سينهار كل شيء؛ مصانع الأغذية والأدوية ومرافق حيوية مثل إنتاج الكهرباء والاتصالات والمستشفيات وغيرها.

من جهة أخرى، استمرار النشاط الاقتصادي، ولو بحدوده الدنيا، هو ضمان المستقبل للأجيال المقبلة، استمرار صمود المجتمع وتمكينه من عبور الأزمة الراهنة.

لا مفاضلة بين حياة البشر وسلامتهم وبين سلامة الاقتصاد؛ لكن المعضلة قائمة وجدية والحكم عليها يكون بأثر رجعي.

لغير "أصدقائي" في "فيسبوك"

كتبت قبل أيام: الخير والشر وكورونا؛

وباء الفيروسات مثل الثورة، يأخذ الأمور إلى أقصاها، يبرزها؛ النبيل يزداد نبلاً، الشرير يزداد شرًا، المهووس بنفسه يزداد هوسًا، الشجاع يزداد شجاعة، الكريم يزداد كرمًا، البخيل يزداد بخلا، الجشع يزداد جشعًا. الحريص يزداد حرصًا، النذل يزداد نذالة، الحنون يزداد حنانًا، الحاقد يزداد حقدًا، المسؤول يزداد مسؤوليةً، الانتهازي يزداد انتهازية، الوطني يزداد وطنية، الخائن يصبح منبوذًا.

الفيروسات مثل الثورة، تكسر التوازن، تتمرد على القواعد، تزيل الحواجز، هي تحررٌ قد يزيد من الاستبداد، قد يحصل ثورة مضادة، تفاضل بين الحرية والبقاء.

الفيروسات تعيد الثنائية بين الروح والجسد. سلامة الجسد من سلامة الروح. من روحه سليمة يصمد، من روحه ملوثة تنهشه الأنانية.

وأخيرًا، ألف سلامة لميركل؛ 25 ألف سرير مع أجهزة تنفس في ألمانيا مع نشوء أزمة كورونا. 7 آلاف فقط في فرنسا. 5 آلاف في إيطاليا. إسبانيا لا تُذكر.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"