تأملات في يوم الأرض

تأملات في يوم الأرض

أمير مخول

الحدث المؤسّس بعد 1948

يوم الأرض هو الحدث المؤسس والمفصلي بعد عام 1948. ويقاس هذا الافتراض عندما نُقارن بين أثره بأي حدث آخر، وفي التحولات في المسيرة النضالية الطويلة غير المتوقفة التي تخوضها جماهير شعبنا، وكذلك في مسيرة التغيير الاجتماعي.

وهو حدث مفصلي بمفهوم أن جميع التطورات في مسيرة جماهير شعبنا في الداخل حتى اليوم، متأثرة بيوم الأرض، سواء تجسد ذلك في تراكم الوعي الوطني والاجتماعي وتجلياته أم في مجمل الإنجازات. وكذلك في نشوء أجيال متعاقبة على قيم هذا الحدث.

وهو حدث مفصلي بمفهوم التحول عظيم الأثر في وعينا لذاتنا كجماهير عربية فلسطينية انتقلت بشكل قطعي من مرحلة الدفاع عن البقاء في طورها الأول، والتي ميزت مرحلة الحكم العسكري في الخمسينيات وأوائل الستينيات وانتقالها إلى مرحلة المواجهة والنضال لاستعادة الحق والدفاع عما تبقى، وخصوصا التصدي الشعبي الواعي والمنظم لمصادرة الأراضي وتهويدها، وفي الجليل على وجه التحديد.

وهو حدث مفصلي بمفهوم أنه تزامن مع تحولات في البعد الشعبي للعمل النضالي سبقتها تحولات عميقة في البنية الاجتماعية نبعت من عدة عوامل فلسطينية، وإسرائيلية، وعربية، وعالمية، وتحديدا مصادرة الأراضي وهدم البنية الاقتصادية للعائلة العربية، وكذلك نتيجة تبلور حركة التحرر الوطني الفلسطيني وحالة النهضة التي شهدتها وأثرها على الداخل. لكن ما كان لكل ذلك أن يتفاعل لولا وجود قوة سياسية منظمة تقود هذا العمل. فكان الحزب الشيوعي صاحب الوزن المركزي والحاسم والقائد وكانت قوى تركت أثرها ولا تزال على مجمل الخطاب السياسي وبالذات أبناء البلد في مرحلة التأسيس وكذلك حركة الأرض التي كانت محظورة.

وعلى المستوى الفلسطيني العام والعربي والدولي، وضع يوم الأرض الجزء من الشعب الفلسطيني الذي غدا أفراده في عام 1948 مواطنين في إسرائيل التي قامت على أنقاضهم وأنقاض شعبهم، على خارطة النضال الوطني الفلسطيني، أو بالأحرى، جرى الاعتراف بدوره. ولقد وجد هذا الاعتراف وإعادة الاعتبار تعبيرا عنه في إقرار يوم الأرض في المجلس الوطني الفلسطيني ربيع 1977 ومن ثمّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يوما كفاحيا للشعب الفلسطيني ليتحول إلى حدث عربي وإلى يوم للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني.

كما يمكن النظر إلى مفصلية يوم الأرض من خلال ما نشهده اليوم من إنجازات ومن نهضة ثقافية وعلمية وطاقات مهنية، كان من الصعب تصورها لولا يوم الأرض، فهي ليست نتاج اليوم فحسب بل نتاج ذاك اليوم وما يمثله من ذروة نهضة كفاحية تاريخية وجميع التراكمات التي تلته وصولا إلى يومنا هذا. إن إنجازات الشعوب ليست نتاج طفرة بل هي مردود مراكمة طويلة لإنجازات وقدرات يجري بناؤها رويدا رويدا. وحتى الثورات هي نتاج تراكمات وليست نتاج لحظة.

نهضة بناء المؤسسات وتنظيم المجتمع

صاغت اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي، واللجان المحلية في البلدات العربية، العنوان القيادي ليوم الأرض، كما وشكّلت نموذجا متطورا للتنظيم الجماعي الوطني المرجعي والطوعي، وخلقت حالة استقطاب لكل القوى المعنية بالدفاع عن الأرض، حتى تلك التي سارت طيلة سنوات الحكم العسكري تحت سطوة الأحزاب الصهيونية لتنسلخ عنها وتنضم للصف الوطني، وهذا بحد ذاته تحوُّل يُمكن رؤيته فقط حين تكون قوى الحرية والقوى الوطنية في حالة نهضة وانتصار، فقد كان هناك نوعا من "التوبة" الطوعية، أو بالأحرى، القناعة بأن الرهان هو على الشعب وليس السلطة. لتشكل لجنة الدفاع عن الأراضي الإطار الجامع للقوى الشعبية المعنية بمعركة الأرض والدفاع عنها واسترجاعها.

إلى جانب اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي، ظهر في تلك الحقبة وقبلها وفي أعقابها، عدد من المؤسسات التمثيلية القطاعية والتي أسهمت في جهود يوم الأرض وإنجاحه، وأذكر الحركة الطلابية العربية المنظمة في الجامعات الإسرائيلية ممثلة بلجان الطلاب العرب والاتحاد القطري وهي تجربة تحتاج إلى حيز كتابة وتحليل واسع، وكذلك اللجنة القطرية للطلاب الثانويين العرب ودورها على مستوى الشبيبة والتأثير في وعيها وتمردها على سطوة فرض الهوية الإسرائيلية على ذهنية الشبيبة العربية الناشئة.

كما وشهدت السنوات التي تلت يوم الأرض مساع لتنظيمات قطاعية تعنى بالخدمات والأبحاث وبلورة السياسات وكان أبرزها لجنة متابعة قضايا التعليم العربي، واتحاد الأكاديميين في الناصرة ولجان قطرية لمتابعة قضايا الخدمات الاجتماعية والصحة والأوقاف.

في حين أن المؤسستين الأكثر أثرا وثباتا كانتا اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، وإن كانت تأسست بإيعاز من مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية وأحد أدوارها كان الحيلولة دون إضراب يوم الأرض عام 1976، إلا أن أجواء يوم الأرض عصفت بالمخطط الحكومي وبالانتخابات البلدية عام 1977، وجرى قلب موازين القوى فيها وتحويلها إلى هيئة تعمل بروح العمل الوطني ويوم الأرض وتبنت شعار بلدية الناصرة في حينه: "كرامة وخدمات". وتحولت في ما بعد إلى مركّب أساسي في لجنة المتابعة العليا، إلى جانب الأحزاب والحركات السياسية، ولا يزال دورها جوهريا، لتبقى لجنة المتابعة العليا الإطار القيادي الجمعي للجماهير العربية الفلسطينية في الداخل ولا تزال تشكل الكيان التنظيمي لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني.

هل خافت القيادة وتراجعت؟

وعليه، وللإنصاف التاريخي كما أراه، كان من الظلم الادعاء التَأريخي والمحاججة التي يجري تكرارها بأن قيادات يوم الأرض خافت بعد حدوثه عام 1976 من نجاح هذا الحدث المفصلي وتراجعت. إن ما جرى بروح يوم الأرض كان بمثابة معركة ردعت سياسة الدولة بمواصلة تهويد الجليل، كما وشكلت بداية كسر سطوة هيمنة الجهاز الترهيبي للدولة والأحزاب الصهيونية والذي عكسته نتائج الانتخابات البرلمانية والبلدية عام 1977، والتحول الكبير في السلطات المحلية والتي تأثرت أيضا بانتخابات بلدية الناصرة عام 1975 والتي شكلت تحوّلا غير مسبوق في انتصار جبهة الناصرة بقيادة طيب الذكر توفيق زياد.

كان ينبغي أن يستكمل الانجاز الشعبي العظيم بالانتقال إلى ملاءمة تنظيم المجتمع له، وأتت وثيقة السادس من حزيران 1980 بداية مأسسة تاريخية وبصيغة رؤيوية لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني ضمن الرؤية الواسعة للشعب الفلسطيني التي تجسدت في منظمة التحرير الفلسطينية، في مرحلة النهضة الوطنية التحررية الفلسطينية. وكانت الوثيقة هي الأساس لمؤتمر الجماهير العربية الذي حظرته بأمر إداري دولة إسرائيل ممثلة برئيس حكومتها مناحيم بيغن، وشكلت ولا تزال السقف الجماعي الذي سارت عليه لجنة المتابعة العليا بصفتها الإطار الكياني لجماهير شعبنا في الداخل. والتي تقود العمل الجماعي بما فيه إحياء الذكرى السنوية ليوم الأرض. ورغم مواطن الضعف فلا تزال تقوم بدورها القيادي وبروح يوم الأرض.

ما أشبه اليوم بالأمس .. لولا الإنجازات

شكّلت وثيقة كينغ التي تحمل اسم يسرائيل كينغ، حاكم لواء الشمال في حينه، صوت إسرائيل وجوهرها، وهي وثيقة رؤيوية صهيونية استيطانية لا تزال روحها مسيطرة. لقد دعت إلى تهويد الجليل ومصادرة الأراضي وتشجيع العرب للهجرة من البلاد وملاحقة "المتطرفين" وقلب الميزان الديموغرافي في الجليل. وكان الكشف عنها وفضحها مهمّين في بلورة رؤية الجماهير العربية وفي وضع المعادلة بأن أي حق سيبقى غير ممكن ‘لا ‘ذا ناضلنا من أجله، وتحقيقه بقدر ما نناضل من أجل اكتسابه.

ما كانت مصادرة الأراضي والتهويد، يوما، زلّة سياسةٍ حكومية بل تتجذران عميقا في جوهر الفكر والمشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري، وفي المقابل ما كان يوم الأرض استثناءً في حياة جماهير شعبنا بل هو في جوهرها موقف ونهج وثقافة سياسية.

من هذه المعادلة نُقِيم ومنها ننطلق كما دائما في مواجهة المصادرة والهدم والاقتلاع والتهويد، وفي مواجهة المخططات التصفوية لحقوق شعبنا، وبالذات في مناهضة "صفقة القرن" وتطبيق جوهرها على أرض الواقع، من احتلال واستيطان وضمّ ومصادرة وهدم وتهويد وقوانين ممارسة واحتلال روايتنا التاريخية.

في مثل هكذا مواجهة صعبة وقاسية تبقى الحاجة إلى بوصلة تدلنا على الطريق، ويوم الأرض حاضر فينا دائما.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"