خطورة العودة إلى المدارس...

خطورة العودة إلى المدارس...

سهيل كيوان

دعت أصوات رسمية وشعبية في الأيام الأخيرة إلى العودة لمقاعد الدراسة، ابتداء من الروضات ثم الصفوف الدنيا ثم الابتدائية، وذلك خلال الأسبوع القريب، وسيواصل قسم من الطلاب التعلم من بعد، ومن ثم العودة الشاملة إلى المدارس.

باعتقادي أن هذه العودة محفوفة بالمخاطر، بل وبمجازفة كبيرة، ليس بالنسبة للطلاب الصغار بالتحديد، الذين يقال إنهم لا ينقلون الفيروس، بل بالنسبة للمعلمين والمعلمات والمساعدين، وعمال المرافق.

سيتعامل المعلمون مع كل أنواع الطلاب، الذين لا يمكن أن يلتزموا بالقواعد الصحيّة المتعلقة بالوباء.

كلنا نعرف أن الطلاب الصغار عمومًا لا يتحمّلون المسؤوليات، وسيضطر المعلم إلى التعامل معهم من مسافة قريبة جدًا، مع شرحٍ وكلام، وربما سيضطر إلى الصراخ أحيانًا، ولكن سيكون من الصعب عليه أن يلفظ الكلمات مع كمامة، وبدونها سيشكل خطرًا على زملائه إذا كان حاملا للفيروس، كذلك فهو ممكن أن ينقله إلى الطلاب. ليس بالضرورة بأن يمرضوا، بل إن الفيروس ينتقل إلى ملابسهم وحقائبهم وهم بدروهم ينقلونه إلى بيوتهم.

عادة ما تكون ساعات الدوام أقل في شهر رمضان الكريم، خصوصًا في المدارس ذات الأكثرية المسلمة، ويتحوّل التعليم في كثير منها إلى نصف دوام. الآن عندما نأخذ بعين الاعتبار وباء كورونا، أظن أن نهارات التعليم ستتحول إلى مجرّد تمرير للوقت، ولن تكون الدراسة جدّية. بمعنى آخر، ستجري عملية حبس للطلاب وليس عملية تعليم.

إضافة إلى هذا، فإن معدل الاكتظاظ في المدارس العربية، أعلى بكثير من مثيلاتها في المدارس اليهودية.

في كثير من مدارسنا الابتدائية يقترب عدد الطلاب من ألف طالب، وقد يتجاوزه، وذلك في الإعدادية والثانوية، ولكن على مساحة محدودة جدًا، وباكتظاظ شديدٍ في الصفوف، حيث يصل عدد الطلاب إلى ثلاثين طالبًا وأكثر، وهذا يعني أن عدد أفراد الهيئة التدريسية في كل مدرسة يُعدّ بالعشرات، وسيكون الاكتظاظ في غرف المعلمين وفي الممرات وفي ساحات المدارس مرتفعًا جدًا وخطيرًا.

إن مجرّد وجود طالب واحد يسعلُ في الصف أو يعطس أو حرارته مرتفعة، سيؤدي إلى شلل الحصة، سوف يحتجّ الطلاب من حوله: "معلمتي هذا عطس"، "معلمتي هذا سعَل"، "معلمتي هذه والدها في الحجر الصحي"، "معلمتي هذه حرارتها مرتفعة".

هذا يعني أن فوضى ستعم الصفوف، إضافة إلى خطورة ظهور حالة واحدة بين المعلمين، حينئذ سيضطر كل من اختلط بصاحب الحالة إلى دخول الحجر الصحي، وهذا يعني شلل المدرسة.

أعتقد أن الكثير من الأهالي لن يوافقوا على إرسال أبنائهم إلى المدارس خشية عليهم، وخشية أن ينقلوا الفيروسات معهم إلى البيت.

في الصفوف الإعدادية ثم الثانوية سيكون الوضع أسوأ بكثير، معروف أن في كل صف توجد "جوقة" يقودها أحد الطلاب، الذي سيعطس ويسعل بشكل مقصود بهدف الضحك وخلق جو من الفوضى، وقد يسعل أحدهم بصورة عفوية وليس بالضرورة أن يكون مريضًا، وهذا سيؤدي إلى فوضى ووقف الحصّة.

من خلال متابعتي لفيسبوك، رأيت أن الكثير من الأهالي عبّروا عن رفضهم، وصرّحوا بأنهم سيمتنعون عن إرسال أبنائهم إلى المدارس، كما أن هناك حالة تذمّر ملموسة بين المعلمين من فكرة العودة حاليًا إلى المدارس، رغم أنهم سيضطرون إلى الالتزام بقرارات الوزارة.

لن تحدث كارثة إذا ما استمرت عطلة الطلاب حتى نهاية العام الدراسي وعطلة الصيف، ثم إعادة السنة الدراسية، أو إعادة الجزء المفقود منها بشكل أو بآخر.

ممكن جدًا أن تكون هذه فرصة لإعادة العلاقات والتقارب بين الأهالي والأبناء، بأن يتعرفوا أكثر على بعضهم بعضًا، ويمكن استغلال هذه الفترة، وتوجيه الطلاب إلى مطالعة الكتب خارج المنهاج، والقيام بمختلف الفعاليات التثقيفية والتربوية.

لقد ثبت أن التعليم عن بعد سيكون وسيلة أساسية في المستقبل القريب، ولهذا فهي فرصة للطلاب لكي يتعلموا الكتابة على الحاسوب واستخدامه بشكل جيّد.

هناك أبحاث جديدة تقول إن الفيروس قد يضرب الشباب صغار السن، وليس عن طريق جهاز التنفس، بل عن طريق السكتة الدماغية أو القلبية، وذلك دون ظهور أعراض الفيروس المألوفة كالحرارة والصداع.

أظن أنه من المفيد التروّي حتى تتضح الصورة أكثر خلال الأشهر القريبة، بدلا من المقامرة في صحة وحيوات الأبناء والمعلمين والأهالي على حد سواء.

هناك من ينادي بوجوب البدء بالاعتياد على نمط حياة جديد، وهذا صحيح، وهو ما سيكون في الأشهر القادمة، ولكن كي يعتاد الناس على النمط الجديد الذي يعني الكمامة والتشدد في النظافة والتغيير في عادات كثيرة، يحتاج الناس إلى مسافة زمنية، ومن المفضل أن تعتاد بقية شرائح المجتمع على هذا النمط قبل الطلاب والمعلمين، وقبل العودة إلى المدارس المكتظة، لأن إصابة واحدة لطالب أو لمعلم قد تؤدي إلى إصابات كثيرة وإلى حالة يندم الجميع عليها.

فليكن ما تبقى من السنة الدراسية استمرارًا للعطلة، ريثما يتضح اتجاه الأمور أكثر ومن كل جوانبها، بحيث يكون الجميع أكثر استعدادًا للنمط الجديد وتطبيقه، وتكون البشرية قد تعلمت ودرست واستخلصت نتائج أكثر حول الفيروس، ومدى خطورته وخصوصًا على الفئات الشابة والفتية، وسبل الوقاية منه، بعدما عرفنا خطورته على المسنين والفئات الضعيفة.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص