المقهورون بين العزل والخروج إلى الشوارع   

المقهورون بين العزل والخروج إلى الشوارع   

عوض عبد الفتاح

بددت عودة المنتفضين اللبنانيين إلى الشوارع والميادين في الأيام الأخيرة، الشعور العام بعدم القدرة على الاحتجاج في ظل هيمنة شبح جائحة كورونا، مفاجئة بذلك الطبقة المهيمنة على الدولة اللبنانية المرتاحة منذ خلو الشارع من الثوار. لقد اكتشف هؤلاء المنتفضون أنهم قد يموتون من الفقر والجوع وليس من وباء كورونا. وهكذا خرجوا شاهرين سيوفهم ضد الفقر، بروح قول علي بن أبي طالب، أبكر مما توقع الكثير من المحللين، إذ لم تعد حتى الآن شعوب أخرى كانت قد أشعلت انتفاضاتها الشعبية إلى الشارع.

ويتوقع محللون مراقبون موجات انتفاضات عارمة في مختلف الدول الغربية والشرقية، بعد انحسار الجائحة، وبعد تكشف النتائج الاجتماعية الوخيمة على الطبقات العمالية والفئات المستضعفة، بل على شرائح واسعة من الطبقة الوسطى. غير أننا لا نعرف متى سيبدأ هذا الانحسار، وهل ستنتظر الشعوب هذا الانحسار لتعود إلى سياسات الشارع (street politics).

وأعتقد أن خروج اللبنانيين، سواء استمروا بالخروج أو علّقوه، فإن ذلك سيدفع الآخرين، خاصةً في بعض بلدان العالم العربي، كالعراق والأردن والسودان وغيرها، إلى اقتفاء أثر اللبنانيين وإعادة التفكير بما يجب القيام به بما يتجاوز الحراك الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولن يسمحوا للسلطات في بلادهم باستخدام الوباء لتعزيز نفوذها وتحَكُّمها بالمواطنين، والهروب من العقاب على ما ارتكبته من مظالم قديمة ومتراكمة وجديدة، وعلى القصور في مواجهة الوباء كما يجب، وبخسارة بشرية أقل.

وقد تصبح هذه الانتفاضات إذا ما تجددت واتسعت، فعلا جماهيريًا منسقًا مع حراكات في مختلف بلدان العالم، الذي يحكمه نموذج واحد مع اختلافات شكلية، هو نموذج المصالح والأرباح، نموذج الرأسمالية المتوحشة. من الصعب التكهن بحجم وشمولية وطبيعة هذه الحراكات أو الموجة القادمة، وما إذا ستكون حلقة أخرى متعثرة، أم أنها ستُحدث تغييرات عميقة تلبي أحلام وحاجات الفقراء والمعدمين، والإنسانية ككل. وسبب الامتناع عن التكهن بالتغيير الحتمي، هو القناعة بأن التاريخ لا يسير بالحتميات، بل بتوفر الظرف الموضوعي والذاتي. فالتناقضات التي كشفها هذا الوباء في معادلة السلطة والشعب، إي ازدياد قوة السلطة بسبب الاعتماد عليها من قبل الناس للاحتماء من الوباء، ستشكل تحديًا أمام الشعوب ومشروعها الثوري أو الإصلاحي، عندما تصبح هذه السلطة أكثر سلطوية وتحكمًا بحياة المواطن.

وفي الحالة الفلسطينية وواقع الأبرتهايد الكولونيالي، الذي تتفاقم وطأته على ملايين الفلسطينيين، فإنّ الأمر يغدو في غاية الخطورة. وكما هو معروف، فإن التحالف الأميركي – الصهيوني يخطط لتنفيذ الخطوة القادمة بضم الضفة الغربية، ومأسسة نظام الأبرتهايد الاستعماري رسميًا في الأول من شهر تموز/ يوليو المقبل، أي ما يفصلنا عن هذا المخطط أقل من شهرين. فالمستعمر الإسرائيلي يمارس استعماره بمختلف الأساليب على شعبنا دون توقف، في حين لا يستطيع الفلسطيني الخروج للاحتجاج. ويُضاف إلى ما تقوم به إسرائيل حاليًا من تعزيز تحكمها بالشعب الفلسطيني عبر الضبط المباشر وعبر وكالة سلطة أوسلو، من خلال استغلال أزمة كورونا، بالإضافة إلى العوائق الهائلة التي كانت ولاتزال قائمة من قبل، أمام إطلاق حراك شعبي واسع وشامل ومنظم. وهذه العوائق تتمثل في جدران الأبرتهايد التي شتتت وعزلت الفلسطينيين في معازل تخنق حياتهم وتقيد حركتهم في ممارسة حياتهم اليومية، وتطوير النضال الشعبي، ناهيك عن مئات نقاط التفتيش المهينة. أما التنسيق الأمني، فهو الأخطر في مبنى منظومة الضبط والقهر.

وتعلن سلطة رام الله جريا على نهجها الفلوكلوري بأن هذا المخطط لن يمر، كما أعلنت وتوعدت مرات عديدة في السابق، دون أن توضح ما إذا كان لديها من جديد، بل كأن ما يحصل تحت ناظرها منذ سنين طويلة، من ترسيخ كامل للمخطط الاستعماري، هو أمرٌ آخر أو أنه لم يكن تأسيسًا للخطوة الاستعمارية الإسرائيلية القادمة.

بالتالي، فإن الشعب الفلسطيني في تجمعاته، في الداخل والخارج، وخاصة قواه الحية والمدركة لمركزية النضال الشعبي في عملية التحرر الوطني، تقف الآن أمام هذا التحدي الكبير، إذ إن واقع الاستعمار الإحلالي والأبرتهايد لا تكفي مواجهته من خلال الاكتفاء باللجوء إلى الحراك الرقمي، أي وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهميته وحيويته، بل يجب أن يكون ذلك محركًا ومحفزًا ليس في تشكيل الوعي الجماعي فحسب، بل أساسًا في المساهمة في خلق حراك شابي ميداني، وتنظيم الناس للاعتماد على أنفسهم، وتعزيز التضامن الداخلي، واستعادة ثقتهم بأنفسهم وبالمستقبل.