كراهية الذات كـ"شبهة يهوديّة"

كراهية الذات كـ"شبهة يهوديّة"

أنطوان شلحت

لدى متابعة "المعركة" المحتدمة بإسرائيل بين مناصري رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بصفته الزعيم الأكثر إخلاصًا لليمين المتشدّد من كل زعمائه السابقين، ومناهضيه، والتي تدور رحاها أيضًا في أروقة المحكمة العليا تحت شعار "إنقاذ الديمقراطية"، من زاوية أن ما يجب أن يقف في صلب الدولة هو سلطة القانون، يمكن ملاحظة أن السلاح الأشدّ حدّة الذي يشهره المناصرون ضد المناهضين يتمثل بالدمغ بشبهتين: أنهم "يساريون"، وأنهم مصابون بقدر كبير من "كراهية الذات"، يصل إلى درجة عقدة نفسيّة يوصم بها كل المُعادين للسامية في أنحاء العالم.

كيف نعرف ذلك؟ من قراءة سيل المقالات التي يكتبها صحافيو البلاط اليمينيون أو الناطقون باسم اليمين في شتى وسائل الإعلام في دولة الاحتلال، والتي تنشدُ غاية واحدة وحيدة: تحويل هؤلاء المناهضين إلى زمرةٍ من اليساريين الكارهين لإسرائيل، الخونة، المندسين، غير الجديرين بأي شرعية في أوساط الرأي العام.

يكتب أحد هؤلاء: ظاهرة كراهية الذات قائمة في إسرائيل، وتضم مجموعةً محدّدة من الأكاديميين والإعلاميين والأدباء المعدودين على اليسار المتطرّف والدوغمائي، وهي تشنّ حملة كراهية وتحريض منفلتة العقال ضد الدولة وحكومتها.

وهي تسعى وتحلم بإحداث انقلابٍ لـ"تغيير الحُكم" على نمط طريقة تحرير شعبية إسرائيلية، وفرض سلطة اليسار المتطرّف على الدولة. هذه المجموعة التي ترى نفسها نخبة أرستقراطية تحظى بغلافٍ داعم في وسائل الإعلام التي تمنحها منصةً لإسماع انتقاداتٍ لا حصر لها حيال الناطقين والمنتخبين في المؤسسات الحكومية والأمنية الذين يشكلون موضع كراهيتهم.

ويستحوذ على هذه المجموعة بشكل مَرَضيّ شامل هدف "أيديولوجيّ" واحد ووحيد، هو إسقاط حكومة اليمين، بحجة الدفاع عن قيم سامية مثل السلام والديمقراطية. وبغية تحقيق هذا الهدف، هي مستعدة للتضحية بأي مصلحة قومية وأسرار أمنيّة، وأغلب أفرادها ينتمون إلى ما يسمى "معسكر السلام".

وفي مقالات أخرى، نقرأ أيضًا، كما ذكرنا سالفًا، أن هذه المجموعة موبوءة بكراهية الذات، وهي ظاهرة معروفة في التاريخ اليهودي منذ أجيال عديدة، وحوّلت كثيرين من اليهود إلى معادين للسامية.

يشير بعضهم إلى ثلاثة مراجع يهودية أرست "مؤشرات" تلك الظاهرة: كتاب "كراهية الذات اليهودية" لثيودور لسينغ؛ كتاب "التحرّر التلقائي" ليهودا ليف بنسكر؛ الزعيم الصهيوني "اليساري" بيرل كتسنلسون الذي اعتبرها بمثابة تشويه عقلي ونفسيّ.

وتفاقم التلويح بهذه الشبهة إثر ظهور بوادر ما يُعرف بـ"خطاب السلام الإسرائيلي"، ولا سيما لدى ارتباطه بتنفيذ انسحاب من أراضٍ فلسطينية وعربية محتلة. فمثلًا، في آخر انسحاب كهذا، خلال تنفيذ "خطة الانفصال" عن قطاع غزة (2005)، وصف عضو الكنيست السابق، آرييه إلداد، وهو طبيب جرّاح تجميليّ، معارضي منح عفوٍ عامٍ للمحتجين على الخطة المذكورة بأنهم يعانون من كراهية للذات تصل إلى حدّ المرض النفسيّ القاسي الذي لا شفاء منه بتاتًا قبل اللحد.

ولا يمكن أن تكتمل الصورة من غير الإشارة، على سبيل المثال كذلك، إلى أن إحدى أبرز منصّات اليمين الإسرائيلي، وهي مجلة "ناتيف" (مسار)، التي كانت تصدر عن مركز أريئيل لدراسة السياسات في مستوطنة أريئيل بالقرب من نابلس، قبل أن يتحوّل إلى أول جامعة إسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ 1967، "حرصت" خلال سنوات صدور المجلة العشرين (1988-2008) على تخصيص زاوية في أعدادٍ كثيرة، عنوانها "كراهية الذات"، نُشرت فيها مقالاتٌ تؤطر اليهود الذين يمكن أن تنطبق عليهم هذه الشبهة.

وللنمذجة: في العدد الأول (شباط/ فبراير 1988) شملت الزاوية مقالًا بعنوان "الزمن الأصفر أو رد على هرّ مخصيّ"، في إشارة إلى كتاب "الزمن الأصفر" للكاتب ديفيد غروسمان الذي تحدّث فيه عن الاحتلال في أراضي 1967 وتأثيره على المستوطنين الكولون.

وشمل العدد الرابع (أيلول/ سبتمبر 1988) مقالة بعنوان "الفاشية الحمراء في إسرائيل - في عقبي كتب البروفيسور زئيف شطرنهيل"، وهو من أبرز الباحثين في موضوع الفاشية، ويعتبر الاحتلال والاستيطان في أراضي 1967 غير شرعيين.. وعلى هذا يمكن القياس.