عكا يا حبيبتي...

عكا يا حبيبتي...

سهيل كيوان

منذ طفولتنا المبكرة، كانت عكا القديمة هي وجهةَ الفرح، وكان السفر إليها عيدًا، حتى دون عيد، فكيف الحال في العيد! حيث يصبح العيدُ عيدَين؛ عيد لأنه عيد، وعيد لأنها عكا.

حناطير تجرّها خيولٌ فرحةٌ لفرحةِ الأطفال، وعروض سينمائية في سينما بُستان في حضن السور، ومراجيح معلّقة على أشجار الكينا العالية، والأزرق الكبير، ومذاق الفلافل التي ليس مثلها فلافل.

صارت عكا في السنوات الأخيرة قبلةَ المحتفلين في الأعياد ومن كل الطوائف، في عيد الفصح العبري يؤمها الآلاف من اليهود، وفيها يُقام مهرجان المسرح الآخر. وفي أعياد الميلاد تصبح المدينة شُعلة من الفرح والبهجة، وفي عيديّ الفطر والأضحى صارت قبلة مئات الآلاف من المحتفلين، وخصوصًا منطقة الميناء حيث يأتي عشرات الآلاف من المثلث والنقب والجليل، للرحلات البحرية القصيرة حول السور، والتي يتخلهها الغناء والبهجة.

تجرّعت عكا نصيبها من العنصرية، منذ النكبة حتى يومنا هذا، وعانى أهلُها من حملات التيئيس والتهجير والضغوط والتخريب، وإطلاق يد الجريمة والسلاح والسّموم.

استشرست الحركة الصهيونية بأسماء شتى لاقتناء بيوت عكا القديمة ومتاجرها وكل حجَر فيها، بأسماء شركات برازيلية وفرنسية وغيرها، وبهدف سرقة طابعها العربي، وتحويلها إلى مدينة ذات طابع يهودي عبري.

وقد تُوّج هذا ببناء مركز من عدة طوابق من الحجر للمتدينين المتطرفين في المنطقة التي كانت تُعرف بخان الحمير، قُبالة حديقة الباشا. هذا البناء شوّه الطابع الأنيق الرصين القديم للمدينة، إلا أنه رغم كل الضغوطات والطرق الجهنمية، نجح الآلاف من المواطنين العكيين العرب في في مواصلة تمسّكهم بمدينتهم القديمة، وهذا كان له ثمن باهظ. وكنتُ قد ذكرتُ الكثير من تفاصيل محاولات تهجير العكيين في روايتي "بلد المنحوس".

العيد موسم تجاري منعش للاقتصاد العكي المحلي، ليس فقط في هذه الأيام، بل حتى قبل النكبة، حيث كانت تقام المسيرات الكشفية، ومسيرة الخيل والدراويش التي أطلقوا عليها يوم الدوسة، حيث تدوس الخيل المدرّبة على صدور رجال يستلقون أمامها من دون أذى فتزغرد النساء بالفرح، والمسابقات الرياضية المستوحاة من الألعاب الأولمبية؛ رمي الرمح والأطباق وسباق المسافات.

العيد فرصة للتجار ولأصحاب المراكب البحرية، وأصحاب بسطات الحلويات خصوصًا من الصناعة المنزلية، وألعاب الأطفال والمطاعم والمقاهي والحناطير، فتزداد الفرحة لتصبح في عكا أفراحًا.

مرّ شهران قاسيان على فرع التجارة والسياحة في كل البلاد، وبلا شك أن عكا اليوم، بأمسّ الحاجة إلى العيد، لتعيد عجلة الاقتصاد إلى الحركة، لكن قرار الإغلاق التام، يسهم في تفاقم المشكلة الاقتصادية.

من المستهجن أن الحديث يدور عن رفعٍ شبه شامل للحصار عن المطاعم والمدارس والمراكز التجارية، ما يعني العودة إلى الحياة الطبيعية، في معظم أنحاء البلاد، فيما يُمنع الدخول إلى عكا من كل الطرقات والجهات؟

لقد ثبت أن القرارات التي اتخذت بشأن وباء كورونا لم تكن كلها من منطلقات صحيّة، وهذا ما أكده وزير الصحة الإسرائيلي المنتهية ولايته، يعقوب ليتسمان، إذ قال إنهم لم يشركوه في القرارات إلا نادرًا، وأنه كانت هناك مبالغات، فأين العشرة آلاف ضحية التي تحدث عنها رئيس الحكومة، بيبي نتنياهو في بداية ظهور الوباء؟ وأين نصف المليون مصاب بكورونا؟

كان تهويل نتنياهو واضحًا بهدف الضغط على بيني غانتس لإحراجه، أو لمنحه سلّما للهبوط عن شجرة الحكومة المعتمدة على العرب، التي لوّح بها، وإدخاله إلى حكومة، على رأس أولوياتها التملّص من محاكمة بيبي ثم ضمّ الأغوار.

برأيي أن حصار عكا في العيد، هو قرار سياسي أكثر مما هو قرار صحي، لأن أضراره أكثر بكثير من فوائده.

يجب أن لا يغيب عن بالنا ما تتعرض له عكا من ضغوطات اقتصادية وخطط جهنمية منذ عقود تهدف إلى تفريغها من العرب، وبخاصّة المنطقة القديمة بما فيها الميناء.

علينا أن نتذكر معاناة الصيادين العرب الذين تعرضوا إلى هجمات مدروسة من المضايقات حتى كاد هذا الفرع أن يزول تمامًا، ومعظم العائلات التي عاشت من صيد البحري تحوّلت إلى الرحلات السياحية على مراكبها الصغيرة.

يجب التحرك الفوري من قبل القائمة المشتركة ولجنةُ متابعةِ قضايا الجماهير العربية، واتخاذ موقف حازم، وعدم الوقوف كمراقبين، فالحديث يدور على أن قرار الحصار هو قرار شرطة عكا وليس قرار وزارة الصحة.

يجب العمل سريعًا على اتخاذ قرار ملائم، وفتح المدينة أمام المحتفلين، إلى جانب اتخاذ إجراءات وقائية، مثل تلك التي تُتخذ في المراكز التجارية التي باتت تعج بالآلاف. إغلاق عكا بهذا الشكل ليس سوى قرار سياسي آخر، يجب مقارعته والعمل على إبطاله.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"