الرجولة في تحمّل المسؤولية...

الرجولة في تحمّل المسؤولية...

سهيل كيوان

يعيش كثير من الأهالي، حالة من القلق الذي يصل إلى الرعب، على أبنائهم الشبان بشكل خاص، وذلك لما يميّز هذا الجيل الشاب من تهوّر وتسرّع، وردود فعل غاضبة، وهذا ينعكس في تعاملهم مع أي مشكلة مهما كانت صغيرة وتافهة، وفي قيادة السيارات بسرعة وبشكل جنوني دون حذر، والتفعيط، والطرقعة في عادم السيارة وإزعاج الناس، طبعًا هذا لا يستطيع ممارسته في حيفا أو كرمئيل أو نوف هجليل، أما في بلده فلا رادع له، ثم القيام بمخاطرات قد تؤدي إلى كوارث، تحطم أسرًا لسنين طويلة.

في الوقت ذاته، من حق الأبناء من جيل الشباب أن يفرحوا، وأن يمارسوا حياتهم الطبيعية وهواياتهم، ولكن عليهم أن يتحلّوا بالمسؤولية، تجاه أنفسهم أولا، وتجاه أهلهم ومحبيهم، الذين يخافون عليهم بالفعل، لأنهم أغلى ما يملكون.

السرعة في قيادة السيارة أو الدراجة النارية أو الجُرَيْرر(التراكتورون)، والتصرّف بلا مسؤولية في كل مكان، بما في ذلك في الأمكنة العامة، مثل السباحة في شواطئ غير مراقبة، ليس فيها منقذ، هو نوع من عقوق الوالدين، لأن استخفاف الشاب بحياته يعذّب والديه، وكل الكلام الجميل الذي يلقيه الابن في أذني ذويه، لا يساوي شيئًا، إذا ما وقع أو أوقع نفسه في حادث أليم لا سمح الله. وفي الحقيقة أن هذا يحدث كثيرًا للأسف الشديد. صحيح أننا نقول إنه قضاء وقدر، وإذا وقع القدر عمي البصر، ولكن "لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".

السيارة ليست أداة ترفيه فقط، فهي أداة قتل، لا تقل عن السلاح الناري خطورة، بل أن ضحاياها أكثر من ضحايا السلاح، واستخدامها بتهوّر وبلا مسؤولية مثله مثل إطلاق النار بشكل عشوائي.

هناك فرق شاسع بين الشجاعة والاستهتار، فلا رجولة ولا شجاعة في قيادة سيّارة بسرعة قصوى.

إن أي جبان ممكن أن يجلس وراء المِقوَد ويضغط على دواسة الوقود، ليصل إلى سرعة 180 وحتى إلى 200 وأكثر، وهذا يدل على مرض، وعلى فراغ داخلي، يحاول الشاب مَلئِه بالتهوّر، والمخاطرة في حياته وحيوات الآخرين.

الرجولة ليست في الضياع والتهوّر، وليست في تجاهل آلام الآخرين، وإعطاء الظهر للقضايا الجماعية الكبرى، التي يعاني منها مجتمعنا وشعبنا في الأصعدة كافة.

العكس صحيح، فمن يهتم بمشاكل وقضايا مجتمعه وشعبه ومحيطه ويواجهها بالتعاون مع الجميع، هو الرجل، وهو الشّجاع، فتحمل المسؤولية رجولة، ومن يتهرّب منها هو الجبان والأناني، الذي لا يهمه سوى نفسه.

من مظاهر الرجولة والوعي، أن تحترم الناس في الشارع خلال قيادة السيارة، أن تتنازل وتعطي حق المرور والأولوية، حتى وإن كنت محقًا أحيانًا والقانون إلى جانبك، فليس من الحكمة أن تتورط في خطر، وتفتعل مشكلة كبيرة من قضية كان ممكنًا منع نشوئها أصلا بتسامح بسيط.

الرجولة الحقيقية تكمن في رفض التداول بالفضائح الاجتماعية، والامتناع عن نقلها أو الاستماع إليها أو مشاهدتها، لأن إحدى القضايا التي تثير المشاكل بين الشبان، وأدت وتؤدي إلى نتائج وخيمة، هي تناقل صور وفيديوهات تتناول أعراض الناس.

وليعلم كل واحد أنه ليس معصومًا، لا هو ولا أبناء أسرته، ولهذا عليه أن يكون مسؤولا، وأن لا يفرح بالفضيحة، بل أن يدفنها في مكانها إذا ما وصلته وأن يرفض تناقلها وتداولها، وأن يحتقر مروّجيها ويوبّخهم.

الكلمة الطيّبة لا تزول، والعمل الطيب كذلك، كذلك الكلمة السّيئة والعمل السيّئ، فالكلمة تبقى في خاطر من تعرّض لهذه أو تلك، وهي قد تقرّر علاقة إنسان بآخر لعقود، ومن هنا، فالكلمة تقرّر وجهة مجتمع بأسره، لأن المجتمع هو أنا وأنت وهي وهو وهم وهن، ونحن قادرون على جعله مجتمعا أفضل وأكثر ميلا إلى التسامح والاحترام، أو إلى العنف والصراعات والأحقاد.

مجتمعنا في حاجة إلى كثيرٍ من الحب والتسامح في التعامل اليومي، في المناسبات العامة وفي الحوارات التي قد تدور على مواقع التواصل الاجتماعي، حول موقف سياسي أو اجتماعي، كان آخرها موقف رئيس بلدية الناصرة السابق، رامز جرايسي، الذي رفض استقبال رئيس البلدية الحالي، علي سلام، والوفد المرافق، الذي أتى لتعزيته في رحيل زوجته، بذريعة أن لعلي سلام موقفًا مشابهًا، رفض فيه استقبال رامز جرايسي ووفد مرافق، إبان وفاة واحدة من أفراد أسرته، خلال إحدى جولات الانتخابات البلدية.

لقد جرّت هذه الحادثة نقاشا كثيرًا، وبغض النظر عمّن أخطأ ومن أصاب، يبقى التسامح من صفات الأقوياء، بل لا يستطيعها إلا الأقوياء.

التسامح والتعقّل في الشارع والسيارة والبيت على الفيسبوك، وفي كل مكان وزمان، هو ضمانة لحياة اجتماعية أقل توتّرًا، وأكثر إنجازات للأفراد والمجتمع، التسامح ضرورة وليس خيارًا في كل مجتمع، فما بالكم في مجتمع محاصر ومستهدف مثل مجتمعنا.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"