رسالة من حي العرب أيام الحكم العسكري

رسالة من حي العرب أيام الحكم العسكري

وفق اتفاقية رودس قُسِّمَت قرية برطعة إلى قسمين: الشرقي الذي ضُم إلى المملكة الأردنية الهاشمية، والغربي الذي ضم في الثاني والعشرين من أيار/ مايو 1949 إلى إسرائيل. اعتاد الناس على تسمية برطعة باسم وادي المية، والقسم الشرقي منها بحي العرب. كانت اللقاءات العلنية في وادي المية بين عرب الداخل والمهجرين القاطنين في الأردن عند الحد الفاصل بين شطري القرية قد انقطعت منذ عام 1952، فلم يبق أمام هؤلاء سوى إرسال الرسائل إلى ذويهم مع أُناس من سكان برطعة، أي أن أهالي برطعة بقسميها كانوا حلقة الوصل بين الأحبة.

في صباح الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 1963 خرج عارف إبراهيم أحمد قبها، المكنى أبا معروف، من برطعة الغربية راكبًا حماره وقاصدًا قرية كفر قرع القريبة، فلما وصل في الساعة التاسعة والربع إلى شارع وادي عارة عند المفترق القائم إلى الشرق من محطة الوقود، اعترض طريقه قائد الشرطة في عارة، الضابط عوديد شختر، وأجرى عليه تفتيشًا دقيقًا، فضبط في جيب قمبازه رسالة مكتوبة باللغة العربية ومعنونة باسم محمد إسماعيل خليل أبو عطا من كفر قرع. كانت الرسالة غير مؤرخة وموقعة بخط يصعب فكّه، فلما سأله الضابط من أين جئت بهذه الرسالة؟ ولمن هي موجهة؟ أجاب بقوله إنه لا يعرف كيف وصلت إلى جيبه، وليس لديه أي فكرة عنها!

أثارت الرسالة شكوكًا لدى الضابط بأنها من الأردن، فأخذ عارفًا إلى مركز الشرطة في عارة لإكمال التحقيق معه. في الساعة ذاتها أرسل قائد الشرطة في عارة برقية إلى قائد شرطة الخضيرة، فحضر الأخير للتو إلى عارة ليجري التحقيق مع عارف وغيره بنفسه. كي تفك الشرطة الرموز الواردة في الرسالة، قام ممثل الحاكم العسكري في أم الفحم بترجمتها إلى العبرية، وبدأ التحقيق لمعرفة الأسماء الواردة فيها.

في الرابع من كانون الأول/ ديسمبر تم إلقاء القبض على محمد إسماعيل خليل أبو عطا، وأوقف رهن التحقيق لمدة عشرة أيام بحسب قرار اتخذه قاضي محكمة الصلح في الخضيرة، لأن الرسالة كانت معنونة باسمه. وردت في الرسالة أسماء لنساء قرعاويات لهن أقارب في شرقي الأردن، فأم معين هي جميلة يوسف الحاج عبد حمدان زوجة محمد إسماعيل أبو عطا، وأصلها من أم الفحم، ويسكن والداها وإخوتها وأخواتها في مدينة إربد في شرقي الأردن. أما أبو معروف الوارد ذكره في الرسالة، فهو المعتقل عارف إبراهيم أحمد قبها، حامل الرسالة. أثناء التحقيق الذي أجراه قائد شرطة الخضيرة، قال أبو معروف إنه قبل يوم واحد خرج ليرعى بقراته في كرم زيتونه، فابتل القمباز بسبب تساقط الأمطار، فخلعه وعلقه على الجدار الفاصل بين بيته والمدرسة، وإنه في الصباح لبس القمباز وقرر الذهاب إلى قرية عارة لشراء خضراوات فاعتقل، وهو يعتقد أن أحد تلاميذ المدرسة هو الذي وضع الرسالة في جيب قمبازه ساعة عَلَّقَه ليجف. كانت التهمة الموجهة إلى أبي معروف هي الاتصال بعميل أجنبي من الأردن، ولكنه أنكر التهمة وادّعى أن له إخوة في برطعة الشرقية، ولكنه لا يتصل بهم، وأن معرفته لمحمد إسماعيل أبو عطا هي سطحية، وهو لا يعرف زوجته، ولا يعرف السيدة تحفة الحاج طاهر، ولا زوجها خالد أسعد عثامنة، ولا ابنتها زكية، ولا يعرف أسماء نساء أُخريات.

أما محمد إسماعيل خليل أبو عطا فقد أنكر أن يكون قد اعتاد استلام رسائل من أقارب زوجته القاطنين في الأردن بواسطة أبي معروف، وقد حكى بالتفصيل أنه في الرابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 كان له لقاء عند بوابة مندلباوم مع أقارب زوجته القاطنين في إربد، وقد اشترك في هذا اللقاء زوجته جميلة، وأخوه أسعد، وعمته نبيهة حسين مصري، وزوجة أخيه يوسف، وأُخته نجية وهي عزباء، وعمته آمنة، وهلالة أبو عطا زوجة عبد الرحمن محمود حسين أبو فنة، وأنيسة زوجة سليم عبد الخالق كناعنة. وأضاف قائلاً: "سافرنا إلى القدس في سيارة تندر يملكها علي صالح زيد من كفر قرع. كان من المفروض أن يتم اللقاء الساعة التاسعة صباحًا، ولكن عند وصولنا الخضيرة جاء زوجتي المخاض، فولدت في السيارة، لقد ولدت مولودًا ذكرًا. استمرت عملية الولادة نصف ساعة، وبعدها واصلنا سيرنا إلى بوابة مندلباوم في القدس وكان معي زوجتي والمولود الجديد. وصلنا القدس حوالي الساعة العاشرة صباحًا، وقد تم لقاؤنا مع والد زوجتي وأُمها وإخوتها الثلاثة، وهم يعيشون في مدينة إربد في الأردن". كما ذكر محمد أبو عطا أنه لم يزر برطعة الغربية منذ 16 عامًا، ولم يستلم أي رسالة من أقارب زوجته بواسطة أُناس من برطعة، وإنما وصلته رسالة قبل حوالي سنتين بواسطة الصليب الأحمر، وأن لا صلة تربطه بأبي معروف رغم أنه يعرفه...

لا ندري ماذا حدث بعد ذلك لعدم وجود وثائق كافية لدينا، ولكن ما ورد أعلاه يبين كم عانى عرب المثلث من جراء سياسة الحكم العسكري الجائرة.


(ملاحظة: اعتمدنا في كتابة هذه المقالة على وثائق من أرشيف "خزينة الدولة" في القدس)

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ