تأملات في المعنى

تأملات في المعنى

لا أعرف كم من المنخرطين في العمل السياسي أو في الفعل التحرري، الذين يتحرجون من التعبير عن مشاعر إحباط شديد جراء تكرار تعثر عملية التغيير إلى درجة الاقتراب من حد فقدان المعنى.

ومعظم هؤلاء الذين نشأوا في بيئة من القهر الداخلي والخارجي، وأغنوا معرفتهم من القراءات الثورية والتشبع بأمل التغيير الجذري، يعتبرون السماح لأنفسهم بالغوص في متاهات التأمل والتساؤل في معنى أن يكون المرء في هذا العالم، الذي يفتقد للعدل ويعج بالاحتراب والقتل والإبادة، ترفًا فائضًا وانحرافًا عن المسيرة الثورية.

عرفنا بعضًا من الأدباء والشعراء والفلاسفة الذين تناولوا هذه القضايا الوجودية من دون حرج، بل أنهى بعضهم حياتهم بصورة مأساوية بعد أن انتظروا طويلا تحقق حلم التغيير أو بعد أن تخيلوا انهيار الحلم. لكن هناك أيضًا أناس "عاديون" أنهوا حياتهم بطريقة تراجيدية بعد نفاذ قدرتهم على الصبر. ومن هؤلاء من أشعل بانتحاره مثل بوعزيزي التونسي، دون تخطيط، طوفانًا من الغضب الشعبي العربي، لم يهدأ أواره حتى اللحظة.

وينظر إنسان اليوم إلى ما يجري من أهوال في أنحاء العالم بشعور من المرارة والإحباط الشديدين، ظانًا أن البشرية لم تشهد على مر تاريخها الطويل والمعاصر أهوالًا مشابهة في عنفها وبؤسها وانحطاطها. كانت أهوال الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت بين الإمبرياليات الرأسمالية صدمة لمن حولوا العلم والحداثة إلى دين جديد.

كانت الصدمة أشدّ عند اشتعال الحرب العالمية الثانية، وتكرار همجية تفوق الخيال في وحشيتها، قضت على عشرات الملايين من فقراء العالم الذين استُخدموا وقودًا في خدمة الجشع والأيديولوجيات العرقية النازية والفاشية والتوتاليتارية.

وكان من نتائج هذه الحرب تحول ضحايا اللاسامية والنازية، أي يهود أوروبا، إلى أداة استعمارية متوحشة في فلسطين، قضت على وطن وشردت شعبه، الذي لا يزال هو والشعوب العربية يدفعون ثمن هذه الجريمة، بالأرواح والممتلكات حتى اليوم، مع أنهم لا يتحملون أي مسرولية عن اضطهاد يهود أوروبا، إذ إنها مسؤولية الإنسان الأبيض المباشرة.

يسألك بعض الأصدقاء، بين الحين والآخر، من أين تأتي بهذه الروح المثابرة ومواصلة التشبث بالأمل وبالأحلام والمشاريع الكبرى، بل يتصل بك صديق بشكل غير متوقع، فلم تره منذ عقد أو أكثر، ويكرر السؤال ذاته. أنت تعرف أن بعض هؤلاء يقصد توجيه الإطراء، لكن بعضًا آخر يحمل من وراء كلامه اتهاما لك بالسذاجة، وهي تهمة لمن هو في جيلك مزعجة، وتقليلا من أهمية ما تؤمن به.

وبرد فعل فوري وعاطفي، تُحيل هؤلاء إلى من يتواجدون في ساحة الوغى على مدار اللحظة، وتحديدًا ممن يحملون رؤية تحررية إنسانية ومتنورة، والذين يدفعون أثمانًا باهظة لا تقارن بما يدفعه بعضنا في أرواحهم وحريتهم، ورفاهيتهم وانعزالهم عن أسرهم، ومع ذلك يواصلون حمل الأمل ولا يستسلمون لليأس. وتجربة أسرى وأسيرات الحرية الفلسطينيين، ومنهم من مضى عليهم عقودا في باستيلات الصهيونية مثالا لافتا على ذلك.

من هؤلاء الأسرى من يواصل الكتابة والإنتاج الفكري متغلبًا على عذابه اليومي ليمنح الصمود لنفسه، وليمد من هم في الخارج بالأمل والدافعية للنضال. ونستذكر في هذا السياق أبطالا في أنحاء أخرى من العالم، وطنيون وأمميون، قضوا في السجون سنوات طويلة وعُذبوا بوحشية ولكنهم هزموا الجلادين، سواء عبر صمودهم أو عبر إنتاج فكري ثوري متوارث لا تزال تنهل منه الأجيال، على سبيل المثال لا الحصر مجلد "دفاتر السجن" للمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي أستشهد في سجون الفاشي موسوليني، بعد أن كان قضى فيها عشر سنوات من السجن والمرض والمعاناة دون أن يلين.

وهذا الجواب "الثوري" هو حقيقة، بالإضافة إلى كونه صادقًا، ويعكس إيمانك الحقيقي بالطريق التي اخترتها أو التي اضطرك المستعمر اختيارها، ويُخفي مشاعر حقيقية وصادقة بالمرارة والإحباط تتحرج من الإفصاح بها، خشية إظهار بعض نقاط ضعفك الإنسانية، ومن أن تترك أثرًا سلبيًا على من تسعى إلى العمل معهم واستنهاضهم للمشاركة في الاضطلاع في مسؤولية مقاومة المستعمر أو النظام الأبوي، أو النضال من أجل التغيير المجتمعي الداخلي.

نعم، مثلك مثل إي إنسان آخر، يجتاحك بين الحين والآخر شعور من المرارة الثقيلة وبالإحباط الشديد من جراء الإخفاقات المتكررة، سواء تلك الإخفاقات والانحرافات الكبيرة التي ليست لك مسؤولية عنها، أو تلك الأصغر (الحزبية أو المحلية) التي تتحمل أنت شخصيًا، المسؤولية عن جزء منها. وطيلة الوقت تسأل نفسك، هل يجوز أن تعبر عن مشاعرك في هذا السياق وتعترف بنقاط ضعفك لتثبت أنك لست ساذجًا، وأيضًا لكونك تتبوأ موقع مسؤولية عام، وبالتالي واجبك ككل المسؤولين أن تكابر وتواصل بث الأمل بين الناس وليس إحباطهم.

أعتقد أن جزءًا من الفاعلين في الحقل السياسي والاجتماعي تنتابهم هذه المشاعر الإنسانية في لحظات ضعف، ومع ذلك يواصلون رسالتهم من أجل التغيير. ولكن في الوقت ذاته، فإن الغالبية من هؤلاء، سواء القدماء أو الجدد المنخرطين في حقل النشاط العام، تبلدت مشاعرهم وتراجع حسهم الإنساني، ويتعاملون مع المسؤولية الموكلة إليهم كوظيفة وليست رسالة.

وتشكل الحالة السياسية والاجتماعية الراهنة وتفاقم ظاهرة النجومية واضمحلال الأيديولوجية والقيم الأخلاقية، تربة خصبة لاتساع ظاهرة الخواء القيمي والإنساني، ونشوء أفراد وفئات اجتماعية حاملة لهذا السلوك تجاه ذاتها وبيئتها الاجتماعية.

ما هي الأحداث أو التغيرات الأضخم التي تدفع الفلسطيني والعربي، وإنسان اليوم، إلى حالة من التساؤل عن جدوى ما يقوم به؟

لا شك أن تكسّر أحلام التغيير في العالم العربي، وتكشّف الوجه المتوحش لأنظمة الطغيان وللنظام العالمي الراهن، كلّ ذلك أضاف أسبابًا أخرى بالإضافة إلى أثقال بوزن الجبال إلى كاهل الانسان الفلسطيني والعربي، وأوصل الكثيرين إلى حافة فقدان المعنى.

الإنسان الفلسطيني الذي رأى بالثورات عند تفجرها مخلصًا له من أنظمة شكلت نيرًا ثقيلا عليه، عقبةً أمام تحريره من المستعمر الصهيوني، وفاتحة لطريق نحو فلسطين الحرة، ليجد مكانة قضيته تعود إلى القهقرى، في وقت تتواصل معاناته وعذاباته تحت نير هذا المستعمر الأوروبي.

أما الإنسان العربي الذي حطم حاجز الخوف من أنظمة الطغيان، وظنّ نفسه أنه بات قاب قوسين أو أدنى من التخلص من الاستبداد ونحو التحرر من حالة التخلف والفقر والخوف، فإنّه يعيش هذه الأيام خليطًا من مشاعر المرارة الشديدة من الفقدان والخسارة الفادحة بالأرواح، وبقايا أمل بالنهوض مجددًا لاستكمال ما بدأته الثورات، خصوصًا بعد انفجار الموجة الثانية من الحراك الشعبي العربي، التي تؤكد أن قطار التغيير لن يتوقف.

على مستوى العالم، يجد الإنسان نفسه أمام تحديات ومخاطر جسيمة من صنع الطبيعة ومن صنع الأثرياء والمستعمرين والطغاة؛ مرض كورونا وشرور الرأسمالية المتوحشة، وتحديدًا اللامساواة والإفقار والحروب والقمع وتدمير البيئة. وفي ظل تكشف الممارسات الإجرامية الجديدة والإخفاقات الصارخة لهؤلاء، تجد الشعوب مجددًا فرصتها لتصعيد نضالاتها من أجل نظام عالمي رحيم. والجديد أن أممية غير رسمية أو عفوية تتشكل هذه الأيام بين كافة شعوب الأرض المقهورة، في مواجهة مصيرها المشترك. في السياق ذاته، سياق نضال البشرية الأبدي من أجل حياة حرة وكريمة، تدخل قضية فلسطين باعتبارها تجسيدًا رمزيًا للكفاح من أجل العدالة الكونية.

ذلك كله مجتمعًا، يوفر وقودًا في مخزون الأمل ويحفز للسعي الدائم من أجل كرامة الإنسان. نعم على طول هذا الطريق ستتوالى العذابات، ولكنه وحده يوصل الشعوب إلى غايتها النهائية.

ولذلك، لا يضير الفرد منا أن يمارس التأمل والنظر في ما وراء المسار الذي يبدو رتيبًا، حتى لو اجتاحته نوبة من الإحباط في لحظات دقيقة، ربما يكون ذلك نوع من التطهر مما يعلق بنا من شوائب وتبلد في المشاعر، ورتابة قاتلة.