النوّاب العرب.. والكيف لا الكم!

النوّاب العرب.. والكيف لا الكم!

منذ اندلاع أزمة جائحة كورونا، التي ظهر نواب عرب في بدايتها وهم يلبسون الكمامات لغرض الصورة في محطات الفحص التي تنقّلت بين قرى ومدن عربيّة، لم نسمع أو نشاهد أو نلمس أيَّ حضور يذكر للنوّاب العرب يتلاءم مع زيادة وزنهم (15 عضو كنيست) في المشهد السياسي الإسرائيلي أو الفلسطيني أو "العربي الإسرائيلي"، لا كأفراد ولا كجماعات سياسية أو كمجموعة تنتظم في قائمة مشتركة.

نفهم أنّ السياسة الجديدة التي يقودها رئيس القائمة المشتركة والدائرة النافذة فيها تقوم على التركيز على الشأن المحلي المرتبط بالقضايا اليومية التي تهم حياة المواطنين ومعيشتهم والابتعاد قدر الإمكان عن الشأن العام المتعلق بالقضية الفلسطينية وتفرّعاتها، باعتبارها قضية وطنية لعموم الشعب الفلسطيني، واقتصار التدخل على الباب الذي يخص "دعم عملية السلام" تساوقا مع توجهات وتوجيهات الأطراف الأميركيّة الإسرائيلية والفلسطينية ذات العلاقة.

وربما هذا السبب الذي يقف وراء غيابها كمجموعة وأفراد عن الجدل و"الصّراع" السياسي الدائر حول ضم الأغوار وسحب السيادة الإسرائيلية على المستوطنات، سوى في السياق الإسرائيلي ومن خلال مشاركة البعض في التظاهرة التي جرت في تل أبيب لهذا الغرض، وذلك برغم أن الضّمّ، وفق خطة ترامب، يمسّنا بشكل مباشر ليس في كونه يقتطع مساحات واسعة من الأراضي المعدة لإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة وإحباط إمكانية إقامتها فقط، بل في كونه الخطوة الأولى في تبادل الأراضي الذي تنصّ عليه خطة ترامب وتشمل نقل المثلث وتحويله إلى كانتون إضافي من الكانتونات الخاضعة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني التي تسعى الخطة إلى تأبيدها.

كنا نتوقع أن يعقد النواب الـ15 من القائمة المشتركة مؤتمرا صحافيا يعلنون فيه للعالم، من خلف الكمامات، أنّ انتزاع المثلث ونزع مواطنة عضو الكنيست يوسف جبارين يعني عمليا فصل الجليل وإسقاط مواطنة عضو الكنيست عباس منصور والعودة إلى قرار التقسيم، مثلما أنّ ضم الأغوار سيعني ضم الضفة والعودة إلى الدولة الواحدة. ولكن نتفهّم عدم حدوث ذلك لأن الموضوع يختص بالشأن السياسي العام الذي لا يدخل في اختصاص المشتركة وفق رؤية قيادتها.

ولكن، أيضًا، في الشأن المحلي الخاص بحياة الناس ومعيشتها لم نر الـ15 نائبًا أو حتى بعضهم يقفون على أنقاض البيوت الأربعة التي هدمتها جرافات حكومة نتنياهو – غانتس في الطيرة، مثلا، وإن كان حريا بهم التصدي للجرافات قبل هدمها، كما لم نر الـ15 عضوا يعتصمون أمام مشفى "تل هشومير" احتجاجا على اغتيال الشاب مصطفى يونس بدم بارد من قبل حراس المستشفى الذي يتعالج فيه، ولا أمام شرطة المسكوبية في القدس المحتلة التي قَتَلَ أفرادُها بدم بارد الشاب "المتوحد" إياد حلاق.

لماذا لم يخرج دعاةُ النضال المدني، المتشبّهون بنضال السود في أميركا ومن يعتقد أنه مارتن لوثر كينغ "عرب إسرائيل" إلى الشوارع بالتزامن وأسوة بالاحتجاجات التي اجتاحت المدن الأميركيّة على خلفية مقتل جورج فلويد، احتجاجا على مقتل مصطفى والحلاق؟ أم أنّ استبدال الوطني بالمدني هو وسيلة هروب من المواجهة فقط؟

وفي قضية مقبرة "الإسعاف"، حيث تقف يافا وقفة عز تعيد لها ولنا الكثير من المجد، لم نر الـ15 نائبًا من القائمة المشتركة يمسكون بأيدي بعضهم بعضا ويتصدرون المظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت المدينة، أم أن إمساك الأيادي ورفع السواعد هو لمقتضيات الصور الانتخابية فقط.

لقد أرَّقَنا هؤلاء بدعوات لزيادة نسبة التصويت للكنيست المدعومة من اللوبيات اليهودية الأميركيّة، والتي تهدف، من ضمن ما تهدف إليه، إلى كسر حالة اغتراب العرب عن مؤسسات الدولة اليهودية والنفور الفطري من الاندماج والتطبيع معها، وذلك بدعوى أنّ زيادة وزننا الانتخابي وعدد ممثلينا في الكنيست سيزيد من تأثيرنا على القرار السياسي في إسرائيل، فكانت أن أدت نتيجة الزيادة العددية وما تبعها من القيام بالتوصية على الجنرال غانتس، عوضا عن إقامة جبهة مع العرب ضد اليمين وإسقاط نتنياهو، إلى إقامة جبهة ضد العرب على شكل حكومة وحدة وطنية مع اليمين برئاسة نتنياهو.

وبعد سقوط هذا الخيار، أقنعونا بأنّ قوتنا العددية تلك لن تضرّنا بل يمكن ترجمتها برلمانيا وجماهيريا في الكثير من القضايا والميادين، والحقيقة أنّ ما نراه حتى الآن هو أمر مخالف لقانون المادية الجدلية القائل بأن "التراكم الكمي يؤدي إلى تحوّل نوعي"، والذي لا يبدو أنّه ينطبق في كل الحالات.

وفي النهاية يبدو أن هناك حاجة لإخبار النوّاب العرب، الخارجين من الحجر الصحي، أنّ التجمعات لأكثر من 15 شخصا بات مسموحا بها.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ