إنه الجنون... بعينه

إنه الجنون... بعينه

يحتار المرء بما يبدأ؛ من جرائم الهدم المتواصلة وآخرها هدم قاعة أفراح في الطيرة؛ أم من القتل والعنف اليومي؛ أو ربما من القنبلة الاقتصادية والاجتماعية الموقوتة في ظل أزمة فيروس كورونا، ومعدلات البطالة المرتفعة التي بلغت في آذار/ مارس الماضي 46.6% في الناصرة مثلا، وفي رهط 33٪ وفي أم الفحم تجاوزت 30٪؛ أو من انهيار المصالح التجارية العربية المتوسطة والصغيرة الحجم؛ أم من الضم والاستيطان والتهجير.

لكن يبدو أن هذه القضايا كلها ليست ذات شأن كبير، وأن قضايانا الحارقة والأهم والمعارك الأولى هي السمسم والطحينة و"آيا صوفيا"، فقد سالت شلالات من الطحينة والسمسم في "فيسبوك" في الأيام الأخيرة، وصار "آيا صوفيا" أهم بكثير من هدم قاعة أفراح شغلت عشرات العمال وزفّت مئات الأزواج في السنوات الأخيرة؛ وصارت الميول الجنسية أهم بكثير من انهيار المصالح التجارية العربية في ظل كورونا؛ وشلالات الطحينة أهم بدرجات من الدماء المسفوكة يوميًا في البلدات العربية؛ والدليل، أن شلالات الطحينة سحبت معها قيادات القائمة المشتركة، منهم من عبر عن موقفه بصراحة، ومنهم من غرق بالطحينة ولم نسمع صوته. أيمن عودة يهاجم المهاجمين في تدوينة فيسبوكية ويدعم "الأرز" ويدعو لمقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال والاستيطان، فيرد عليه زميله منصور عباس ويطالبه بالاعتذار عن موقفه ووصفه لدعاة مقاطعة "الأرز" بالمنافقين.

بدل أن تهتم القيادة السياسية بتأطير النقاش (فريمينغ) وعقلنته وترشيده، قرّر بعضها الصمت صمت القبور أو الانجرار خلف الشعبوية. لكن هذا السلوك ليس غريبًا، لأن القيادة السياسية الحالية لا تعمل بالسياسة، ولكنها تعمل بالسوشال ميديا وإنتاج الفيديوهات التسويقية، وبرلمانيًا دون المستوى المهني المطلوب حتى، وصارت أقرب إلى الوساطة بين المواطن والوزارات، فهي لا تحمل مشروعًا سياسيًا جماعيًا، ولا تعمل على تنظيم وتسييس قضايا الناس، بل تفردنها كأنها قضايا شخصية فردية، وفي الوقت ذاته تغيب عن ساحات المواجهة. كتب الزميل سليمان أبو ارشيد مقالا قبل أسبوعين عن القائمة المشتركة وشدد فيه على أن الكيف وليس الكم هو المهم، ويمكن ترجمة تراجع الكيف لصالح الكم بأن المشتركة لا تملك حتى برنامجًا سياسيًا (ولا أفصل الاقتصادي والاجتماعي عن السياسي) كي لا نقول مشروعًا سياسيًا.

لذا، تتحول صفحات النواب إلى زوايا تعازي وتهاني وتبريكات، وبيان عن استجواب أو ترجمة لرسالة لوزارة، فيما البعض الآخر يبدو محللا لشؤون المجتمع ويبرر تراجع العمل الوطني بين الناس بهمومها وثقل مشاغلها، ويتناقض ذلك مع ارتفاع نسبة التصويت في انتخابات الكنيست الأخيرة، وينسى أنه المفروض أن يقوم هو بتسييس هموم وقضايا الناس وتنظيمهم جماعيًا لمواجهة قضاياهم الحارقة. وبعض ثالث يقوم بعمل برلماني مهني وجدير بالتقدير، لكن الأفضل تجنب توزيع الشهادات.

أمّا على "تويتر" فيتحوّل نواب عرب إلى معلّقين سياسيين، ويناغشون الصحافيين في وسائل الإعلام الإسرائيليّة. وكيف لا، يشتمون "الفاسد من بلفور" ليل نهار، كأن مشكلتنا فساد نتنياهو وليس خططه للضم والتهجير والاستيطان.

إزاء ذلك، يصبح الحيز العام مشاعًا لمن يريد إثارة الفتن الاجتماعية وليس مناقشة القضايا والاختلافات الاجتماعية بعقلانية وانفتاح ومسؤولية وطنية، ويضرب المناعة المجتمعية باسم الدفاع عن قيم محددة، فيما الجريمة تنهش بكل أرض خضراء في بلداتنا وباتت هي الفاعل الأقوى في المجتمع، وليس القيادات السياسية أو الدينية أو التربوية أو الأحزاب، والمثال على ذلك الانتخابات المحلية.

لقد بات كل شيء خفيفًا وسطحيًا لكنه خطير، حتى ما تسمى قضية المثليين باتت مشاعًا للمزايدات (وهذا تحريض على الإيذاء بهم والعنف ضدهم قبل أن يكون تحريضًا على المقاطعة، ورفض غالبية المجتمع للمثلية، كما يقول كثر، لا يعني التحريض عليهم أو على أي شخص مهما كان)، لدرجة الدعوة لمقاطعة شركة عربية رائدة وناجحة لم تقم مصنعًا بمستوطنة أو تدعم جيش الاحتلال. من حق أي شخص أن يقاطع أو لا يقاطع، لكن إذا كان ذلك سيمزق المجتمع ويحوله إلى جماعات متناحرة فهو تعدى مسألة حرية الاعتقاد أو حرية المقاطعة من عدمها.

إن ما حدث في الأيام الأخيرة هو ضرب من الجنون، أو الجنون بعينه، وأبعد ما يكون عن هموم الناس الحارقة الماثلة أمامنا؛ وهو مؤشر على أزمة القيادة، البرلمانية وغير البرلمانية، السياسية والاجتماعية، لنبدو مثل سفينة مسرعة بلا قبطان، إما أن تغرق بعد نفاد الوقود أو ترتطم بالصخور. مسرعة لأن مجتمعنا يتطور في مناح عديدة، ارتفاع مستوى التعليم مثلا، لكن هذا الارتفاع لا يُصَرَّف إلى حيث يجب أن يُصرّف، لأن أحدًا ببساطة لا يملك مشروعًا أو حتى برنامجًا أو خططًا، إلا أولئك الذين يريدون تحويل المجتمع إلى جماعات متناحرة على لا شيء جديا.

لنوقف هذا الجنون.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ