عشرة أسباب لاضمحلال اليسار الليبرالي

عشرة أسباب لاضمحلال اليسار الليبرالي

لم تكن أزمة كورونا أولى الأزمات التي كشفت قصورا للنظام الليبرالي بشقيّه السياسي والاقتصادي وعجزه عن تقديم الإجابات الضرورية لمعالجتها، فقد سبقتها الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، ومسألة استدعاء الدولة واستعادة دورها في الحالتين لتنظيم الفوضى وضبط المسائل الصحية والاقتصادية.

في أزمة العقارات التي بدأت عام 2008 في الولايات المتحدة وامتدت إلى العالم، أخذت الدولة زمام الأمور لإصلاح الضرر ودرء الكارثة التي أحدثتها النيوليبرالية واقتصاد السوق في الاقتصاد والمجتمع وإعادة الأمور إلى نصابها، وفي أزمة كورونا الأخيرة عادت الدولة القومية لتمسك الدفة من جديد وتعيد الحدود الوطنية التي هتكتها العولمة فتغلق الأجواء والمياه الإقليمية وترسم نطاق الممنوع والمسموح مرة أخرى.

وفي الظروف العادية يبدو أن "التطوّر الحرّ" للّيبرالية شكّل سهما مرتدا على "اليسار الليبرالي" ومرتعا خصبا لنقيضه المتمثل لليمين "الديني" و"القومي"، على غرار ما هو حاصل في أميركا وإسرائيل وبعض دول أوروبا الشرقية وفي طريقه للزحف نحو أوروبا الغربية.

الحقوقي مناحيم ماوطنير يشير في كتابه "الليبرالية في إسرائيل" إلى أنّ اضمحلال "اليسار الصهيوني" في إسرائيل الذي تقلص تمثيله إلى تسعة أعضاء كنيست فقط في الانتخابات الأخيرة، جزء من ظاهرة عالمية، يعدّد لها عشرة أسباب.

على رأس هذه الأسباب يأتي ابتعاد هذا اليسار عن القضايا الوجودية التي تهم المجتمع وانحرافه نحو مسائل هويّاتيّة (على غرار المسائل التي تهم المثليين وغيرها) والتي تهم قلة قليلة وتبعد في نفس الوقت غالبية الناس.

هذا عدا عن أنّ الليبرالية المتمركزة بالفرد وبمصلحته الشخصية وما أنتجته من خصخصة الخدمات، التي ساهمت بدورها في تعميق عدم المساواة زادت من ضعينة الطبقات الضعيفة على النخب الليبرالية، هذا ناهيك عن تعمق الفجوة القائمة بين المثل الليبرالية المتمثلة بالمساواة وكرامة الإنسان وبين الواقع القاسي على الأرض مع الانتقال إلى النيوليبرالية الرأسمالية.

من جانب آخر، فإنّ الهجمات الإرهابية التي وقعت في مطلع القرن الـ21 والأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم في الـ2008، زادتا من عدم الثقة لدى قطاعات واسعة من الجمهور بهذه المنظومة الليبرالية، التي فشلت، أيضًا، في توفير أجوبة اقتصادية للتهديد الذي يشكله اللاجئون ومهاجرو العمل في عهد العولمة على الطبقات الضعيفة، التي وقعت مدفوعة في أحضان الفقر والضائقة في أحضان "الدين" و"القومية".

كما أنّ إغفال الليبرالية التي تقوم على الفردانية لحاجة الإنسان إلى الجماعة والمجتمع جعلها عاجزة عن منافسة الدين والقومية في هذا المجال، خاصة وأنّ الانتماء للمجموعة هي حاجة ضرورية للإنسان في المستوى الحسي والهوياتي.

وفي السياق الإسرائيلي بشكل خاصّ يضيف الكاتب إلى مجموعة الأسباب العامة تلك، الارتباط بالفوقية التي تميز النخبة الليبرالية الإسرائيلية، وخاصّة تعامل المحكمة العليا مع ما كان يسمى بالثورة الدستورية وقوانين الأساس المرتبطة بها ومسألة إبطال تشريعات من قبل الكنيست لتعارضها معها، الأمر الذي أغضب قطاعات واسعة.

وللخروج من دائرة الفشل التي مني بها "اليسار الليبرالي" عالميا وإسرائيليا، يقترح الكاتب الانتقال من "الليبرالية الفردانية" إلى "الليبرالية الجمهورية" أو "الليبرالية متعدّدة الثقافات"، عبر السعي إلى تطوير قدرات الإنسانية عوضا عن الاكتفاء بعدم التدخل في حياة الفرد، وتسعى نحو "الجيّد المشترك" وليس "الجيّد الفردي"، وتعترف أنّ الثقافة والجماعة هما عنصران أساسيّان في وجود الإنسان، وذلك بعكس النظريات الليبرالية العامة التي تطمح إلى توحيد ثقافات ولغات الجماعات البشرية المختلفة تحت سقف ثقافة واحدة ولغة واحدة.

ومن الواضح أنّ هذه الاقتراحات تعني تسديد ضربة قاتلة للعولمة المنفلتة من عقالها وللنيوليبرالية الاقتصادية المتوحشة.