الفلسطينيون يعانقون البحر

الفلسطينيون يعانقون البحر

تتلاشى كل التحليلات والسيناريوهات أمام حرارة اللقاء بين الفلسطينيين وبحرهم في يافا وعكا وحيفا، وشواطئه التي حرمهم الاحتلال من الاستمتاع بمياهها والاستلقاء وسط رمالها على مدى عقود طويلة. إنه لقاء يختصر عودة غسان كنفاني المجازية إلى حيفا وعودة محمود درويش اللحظية، ويحول قصيدته إلى ترديدة فلسطينية جماعية "هذا الهواء الرطب لي... هذا البحر لي".

المهم أن الفلسطينيين الذين غلبهم الشوق إلى بحرهم وشواطئهم ومدنهم العتيقة، تسللوا بألوفهم عبر الثغرات الكامنة في جدار الفصل العنصري الذي يعزلهم عنها، ليجدوا أنفسهم في قلبها يغطسون في مياهها ويعيدون كتابة أسماءهم على رمالها.

والأهم هي الألفة التي جمعتهم بالمكان والحميمية في اللقاء مع البحر والهواء والرمال، دون الالتفات إلى الآخر، أكان موجودًا أو غير موجود، وهو ما بدا واضحًا في الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت المشهد وأظهرت النساء والأطفال والرجال وكأنهم قد عادوا إلى شواطئهم للتو، ولم يتركوا المكان أبدًا.

الفلسطينيون الذين غمروا يافا من جديد، تجولوا بحرية ودون وجل في شوارع المدينة وساحاتها وعلى مرأى من رجال الشرطة الإسرائيلية وغيرهم من الإسرائيليين الآخرين، فيما قال أحدهم لمراسلي صحيفة "هآرتس"، نعم دخلنا من دون "تصريح"، وبغض النظر إذا كانوا (الأمن الإسرائيلي) قد غضوا النظر أو غير ذلك، فالمهم أننا وصلنا إلى هنا واستمتعنا، وبالنسبة لي هذه كلها شواطئ فلسطين، كما قال.

سياسيًا، اختلفت الآراء الفلسطينية حول الموضوع وتحت عنوان "كزدورة في يافا بين الحسابات الإسرائيلية والتخوف الفلسطيني"، تباينت الآراء التي استطلعتها "بوابة الهدف" الفلسطينية، بين من اعتبر الخطوة تندرج في محاولة إعادة صياغة الوعي الفلسطيني، على أساس التعايش مع الاحتلال واستهداف جهود المقاطعة، وكسر إرادة مُناهضي التطبيع، إلى جانب تحقيق فائدة اقتصادية.

وبين من اعتبر أن "كلّها أراضينا، ولنا الحقّ في الذهاب إليها متى نستطيع، بغضّ النظر عن الطريقة"، وسخر ممن يرون بالخطوة تطبيعًا اقتصاديًا، وقال إن غالبية من مروا عبر تلك البوابات هم من الفئات الشعبية البسيطة، عائلات أخذت طعامها وراحت تصطاف على الشاطئ، وربما يُنفقون بعض المال، لكنه يسير نسبيًا، مقارنة مع قطاعات الرأسمال الفلسطيني (ممن نددوا بهذه الخطوة) الغارق في التطبيع مع الرأسمال الصهيوني بمشاريع مشتركة.

أما الكاتب هاني المصري الذي تناول العديد من الاجتهادات ودحض بعضها في مقال مطول حول الموضوع، فقد أشار إلى سببين رئيسيين يقفان خلف هذه الخطوة؛ الأول يتعلق بحالة الاستقرار الأمني التي تشعر بها إسرائيل بسبب انحسار عمليات المقاومة في الداخل، وبالتالي انتفاء الخطورة من دخول الفلسطينيين من الضفة.

والثاني يرتبط بخطة بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي المسيطر بشأن إقامة "إسرائيل الكبرى" ونظرية السلام الاقتصادي التي طرحها نتنياهو منذ مدة طويلة، وتنظر للفلسطينيين كمشكلة يجب أن تُحل كأفراد، وليسوا شعبًا له هوية وطنية وحقوق يجب أن تلبى، ويمكن أن تكون الخطوة المناسبة لإسرائيل توفير الحد الأدنى للحياة للفلسطينيين ضمن معادلة إبقائهم بين الحياة والموت، حتى لا ينفجروا في وجهها إذا تدهورت حياتهم بالكامل.

ولكن بغض النظر عن أهداف إسرائيل ونواياها، فإن اندفاع الفلسطينيين نحو بحرهم وبرهم في مناطق 48، يعني أول ما يعنيه أن هذه المناطق هي امتدادهم الجغرافي والوطني الأساسي الذي يتكامل فيه الإنسان والوطن الفلسطيني، بغض النظر إذا كان هدف إسرائيل من وراء ذلك تنفيس بعض الغضب والاحتقان، أو تحقيق نظرية نتنياهو المتمثلة السلام الاقتصادي في إطار تصور "أرض إسرائيل الكاملة".

هذا التكامل من الطبيعي أن يتجاوز التقسيمات السياسية التي فرضها الاستعمار الكولونيالي لفلسطين عام 1948 واحتلال عام 1967 لاحقًا، والذي مزق الشعب الواحد وحبسه في معازل منفصلة بعضها عن بعض في غزة والضفة والداخل الفلسطيني، لتمكين الدولة اليهودية من الاستئثار بالمساحة العظمى لفلسطين.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ