متقاعدو السياسة والقطب اليهودي العربي

متقاعدو السياسة والقطب اليهودي العربي

نحن العرب لا نترك اليد الممدودة لنا طويلًا في الهواء، خصوصًا إذا كانت من أصدقائنا اللدودين، أو من شركائنا عنوة في هذه الأرض، حتى لو كانوا مجموعة من متقاعدي السياسة الإسرائيلية من بقايا "اليسار الإسرائيلي" ممن كانوا قريبين من مواقع القرار السياسي الإسرائيلي، وزراء، ورؤساء أحزاب، ورؤساء ونواب رؤساء كنيست ولجان فرعية، أمثال الوزير السابق أوفير بينيس، ورئيس حزب العمل الأسبق عمرام متسناع، ورئيس الكنيست السابق أبراهام بورغ، ونائبة رئيس الكنيست كوليت أفيطال، وغيرهم من الذين كانت حياتهم تسير بشكل طبيعي حينها رغم الظلم اللاحق بالفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر.

ومن غير المستغرب أن يرى هؤلاء ما يسمونها اليوم "الشراكة اليهودية العربية" مرحلة صالحة لأن يختموا بها حياتهم السياسية، من باب "حسن الختام"، لا أن يبدأوها بها، لأنها بضاعة "خاسرة" لا يمكن تسويقها في المجتمع الإسرائيلي، الذي لم يعد يتسع حتى لأحزابهم السابقة المتآكلة مثل حزب العمل و"ميرتس" بعد انزياحه نحو اليمين.

ومن الطبيعي أن تنعكس هوية المبادرين ووضعيتهم تلك في المضمون السياسي للدعوة التي أطلقوها لتشكيل "الإطار السياسي اليهودي العربي" ("هآرتس"، 20.10.20)، والتي تتعامل معنا كقضية مدنية صرف، أو أقلية مقطوعة الجذور، وليس كجزء من شعب جرى اقتلاعه من أرضه وإقامة كيان استعماري عليها، بما يستدعيه هذا الاعتراف من إقرار بحق العودة وتقرير المصير في إطار دولة واحدة على كل أرض الوطن، أو عودة اللاجئين إلى ديارهم في الأراضي المحتلة عام 1948، والاعتراف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس في الضفة والقطاع.

وحتى في القضية المدنية الصرف، فإن "الوثيقة" لا تقر بدولة لكل مواطنيها، التي تلغي أفضلية اليهود في جميع أرجاء العالم على المواطنين الفلسطينيين العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، وكذلك لا تدعو إلى إلغاء تعريف الدولة كدولة "يهودية ديمقراطية"، ولا إلى إلغاء قانون العودة الذي يمنح هذه الأفضلية ليهود العالم.

إنهم يدعوننا إلى الانضمام إلى إطار سياسي يتبنى الأركان الأساسية للصهيونية سالفة الذكر، دون حتى أن يذكروا أن السلام مع "الفلسطينيين" في الضفة والقطاع سيختلف عن سلام نتنياهو الاقتصادي، أو سلام أوسلو الذي ما زال ينتظر الفلسطينيون نتائجه منذ أكثر من ربع قرن.

إنهم يدعوننا إلى صيغة محسنة ربما من حزب العمل و"ميرتس"، تعيدنا إلى المعادلة السابقة لـ"قانون القومية" وخطة ترامب، وتقوم على اختزال القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية على الضفة والقطاع، بعد إسقاط حق العودة والحقوق الوطنية - الجماعية والمدنية لفلسطينيي 48 التي تهدد يهودية الدولة.

والحال كذلك، فإنه من الطبيعي أن تكون اليد الممتدة لهم من "طرفنا"، هي من متقاعدي الأحزاب الصهيونية العرب أمثال زهير بهلول وحسنية جبارة وصالح طريف وعيساوي فريج، وغيرهم من المجموعة التي أطلقت على نفسها "تحالف" ("هآرتس"، 16.11.20) ممن كانوا في هذا "الفيلم" ولم يحظوا بدور البطولة أبدًا.

لكن في الحقيقة أن هؤلاء وأولئك هم العرابون للقطب الديمقراطي اليهودي العربي، الذي طالما جرى الحديث عنه والذي تسعى أطراف في المشتركة إلى الهروب إليه، بادعاء أن التأثير في المجتمع والسياسة الإسرائيليين لا يتسنى إلا من خلال "النضال اليهودي العربي المشترك"، بعد أن أثبت كم الأعضاء الذي حصلت عليه القائمة المشتركة، أنه عدد على يسار الصفر وليس على يمينه، طالما لم يتم تطعيمه بلقاح الشراكة اليهودية العربية.

وغني عن البيان أن قائمة فيها أبراهام بورغ أو أوفير بينيس، حتى لو كان نصفها من العرب، ستحظى بشرعية المشاركة من الخارج أو من الداخل في حكومة برئاسة يائير لبيد، مثلًا، دون أن يقال إنهم "زُعبيز" يعادون إسرائيل.

وربما تكون الأزمة التي خلقتها "حركة" منصور عباس الأخيرة داخل المشتركة، فرصة لهؤلاء للتحلل من شراكة المشتركة والبحث عن شراكة أكثر "نفعًا"، يتم من خلالها "شرعنة" الصوت العربي، وهو ما يتسابقون عليه مع منصور عباس الذي يسعى إلى الحصول على هذه "الشرعية" من خلال الليكود.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص