هل يستطيع المال تجاوز العنصرية؟

هل يستطيع المال تجاوز العنصرية؟

هل صحيح أنه "معك قرش بتسوى قرش"؟ وهل صحيح ما جاء في المثل العبري،"صاحب المئة هو صاحب الرأي"؟ أي الذي يملك المال هو صاحب القرار؟ هل يستطيع المال تغيير المبادئ؟

طرحتُ هذا السؤال على نفسي، عندما انتشر خبر يقول إن شيخًا إماراتيًا يُدعى حمد بن خليفة آل نهيان، سوف يقتني 49% أسهم فريق بيتار القدس المعروف في غلوائه وعنصريته تجاه العرب، وذلك مقابل صفقة بـ25 مليون يورو.

هذا يجري، رغم أن بيتار القدس وجمهوره يرفض قبول لاعبين في صفوفه يحملون اسمًا عربيًا أو إسلاميًا، حتى ولو كان من أفريقيا أو من أوروبا.

هتاف جمهور هذا الفريق المفضّل، هو "الموت للعرب"، والشتائم تُوجّه للنبي محمد، خصوصًا عندما يكون أحد لاعبي فريق الخصم عربيًا، أو في مواجهة مع فريق عربي مثل اتحاد أبناء سخنين.

وعندما يغضب جمهور بيتار القدس نتيجة لخسارة أو عندما يفرح نتيجة لانتصار، يخرج من الملعب في الشوارع، وإذا حدث والتقى عربيًا في مركز تجاري فلا مشكلة في مهاجمته وضربه وإيذائه، كما حدث أكثر مرة.

المحللون يقولون إنها صفقة رابحة لإدارة بيتار القدس، وعلى الأرجح أن هذا الاتفاق سيتم خلال أيام قليلة، فهل هذا يعني أن كراهية العرب ستنتهي مع هذه الاتفاقية، وهل ستتوقف الشتائم للعرب على مدرج بيتار القدس وبين جمهوره؟ وهل يعني أنه سيكون بمقدور الإدارة الإماراتية أن تُدخل لاعبين من العرب والمسلمين إلى هذا الفريق؟ أم أنه سيكون نافذة للتطبيع على نطاق أوسع؟

هل ستصمت الجماهير التي تقتات على العنصرية في المباريات المستقبلية؟ وهل ستتقبل بيعَ إدارة فريقها للمبادئ الصهيونية الأكثر يمينية بالمال إلى شيخ عربي؟ وهل هذا يعني أن المبادئ لا تصمد أمام المال؟ وهل المال هو الهيئة السياسية العليا لدى الإنسان؟ أم أن القضية لن تكون سوى صفقة مالية، ولا دخل ببقية الأمور للشركاء الجدد ولن يتغيّر شيء؟

في موازاة هذه الصفقة الكروية السّياسية الاقتصادية، حكمت محكمة الصلح في "الكريوت" لصالح بلدية مدينة كرمئيل ضد طالبيْن عربيين تقدما بدعوى طلب مصاريف مواصلات، لأنهما يضطران للسفر إلى الدراسة في المراحل التعليمية الإلزامية الأولى إلى قرى عربية مجاورة لكرمئيل، وذلك لعدم وجود مؤسسة لتدريس الطلاب العرب بلغتهم العربية في مدينة كرمئيل.

هذا القرار إشارة إلى أن مطلب القائمة المشتركة في بلدية "نوف هجليل" بإقامة مؤسسة تعليمية عربية للطلاب العرب في المدينة ستواجه عقبة قانونية، وينتظرها التعليل ذاته، ألا وهو الحفاظ على الطابع العبري للمدينة، الذي ورد في قرار المحكمة، واستنادًا إلى قانون القومية، فإن من حق بلدية كرمئيل رفض تمويل سفر الطلاب العرب، رغم أن نسبة العرب في كرمئيل 6% من عدد السكان الذين يبلغ عددهم 47 ألفًا.

هذه مقدمة "قانونية" لوقف زحف العائلات العربية إلى المدن المختلطة بحثًا عن مسكن، بعدما لم تعد البلدات العربية قادرة على استيعاب المزيد أو تكاد.

هذا يعني أن قانون القومية كما سبق وقال كثيرون مقدمة لتخفيف عدد السكان العرب، ليس فقط في المدن اليهودية المختلطة، بل في البلاد كلها، بحجة حماية طابع البلاد العبريّ.

نرى في السنوات الأخيرة الكثير من العائلات العربية الشابة التي تسعى لاقتناء شقق في المدن المختلطة، ولكن المال في هذه الحالة ليس كافيًا، لأن السّكن في مكان ما، يحتاج إلى رياض للأطفال العرب ثم إلى مؤسسات تعليمية لهم، لأنه يمكن نقل مئات الطلاب يوميًا بواسطة أهاليهم إلى القرى المجاورة لأن لهم أعمالهم وأشغالهم في الصباح وبعد الدوام.

ردًا على قرار المحكمة العنصري المرتكز على قانون القومية العنصري، يجب أولا تشجيع العائلات العربية القادرة على شراء شقق أو قسائم بناء في هذه المدن بالذات، والسعي لرفع نسبة العرب فيها، فبلداتنا تختنق ولم تعد قادرة على استيعاب أبنائها، وسوف تتفاقم مشكلة السكن أكثر وأكثر، ولكن شراء الشقق في هذه المدن لن يكفي، بل يجب أن يكون مدعومًا في معركة أكثر جدّية محليًا وفي المحافل الدولية ضد العنصرية وقانون القومية.

المال والقدرة على شراء الشقق لا تكفي، فالسلطة متمسكة بمبدأ العنصرية والأبرتهايد حتى النهاية، وأخلاق الحكومات التي سنت هذا القانون وغيره من قوانين عنصرية، لا تختلف عن أخلاقيات جمهور وغوغاء بيتار القدس.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص