كيف خسرنا القائمة المشتركة؟

كيف خسرنا القائمة المشتركة؟

لا يستحق الموضوع الكثير من الكلمات لولا أن مجموعة سياسيين مبتدئين يقامرون بمصير هذا الشعب في الداخل؛ يقامرون بصبيانية وبقصر نظر لا يتجاوز الأنف؛ لقد خيبّوا آمال أكثر من نصف مليون عربي صوّتوا للقائمة المشتركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؛ لقد تصرفوا في الأسابيع الأخيرة ليس كإرادة شعب أو قيادة شعب. لقد تصرفوا كمضاربين في البورصة.

ولا تصدّقوا أن بنيامين نتنياهو أو بيني غانتس على استعداد لبناء مجديهما السياسييّن على أصوات نواب عرب؛ هذه أخبار كاذبة ومضللة، إنها "فايك نيوز". عقيدتهما الصهيونية أقوى من انتهازيتهما السياسية. على العكس مما لدينا.

الحقيقة هي كالتالي: لا مشروع لدى أيمن عودة ولا مشروع لدى منصور عباس؛ مشروع أيمن عودة هو أيمن عودة نفسه، لا الجبهة ولا الحزب الشيوعي؛ ومشروع منصور عباس هو منصور عباس نفسه، لا الحركة الإسلامية ولا الأقصى المبارك... وعلى ذلك قس... اللهم نفسي. ماذا عن الحقوق و"الإنجازات"؟ هذه أدوات تستخدم للتسويق والاستهلاك الإعلامي لا أكثر.

وهل تصدّقون حقًا أن نتنياهو على استعداد للمساومة ومفاوضة الحركة الإسلامية على مستقبله السياسي؟ إنه صاحب مصطلح "الإرهاب الإسلامي" منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وهو المنظّر لموجة اليمين الشعبوي في الغرب والشرق، بدءًا من الهند وصولًا للبيت الأبيض. لا وقت لنتنياهو لمفاوضة منصور عباس أو ما شابه، فزعماء عرب ينتظرون على بابه بالدور، فهل يعقل أن يلتفت لنائب عربي في المقاعد الخلفية في الكنيست؟

قصة عباس – نتنياهو هي بدعة إعلامية تسويقية انكشفت خلال فترة زمنيّة قياسيّة. كشف التصويت على حل الكنيست اليوم أن "مشروع" منصور عباس انتهى. عمر البدع الإعلامية عدة أيام أو أسابيع في أفضل الأحوال. انتهت البدعة الإعلامية ولكن سيحاول منصور عباس إعادتها للحياة مجدّدًا لكن فاته القطار. نتنياهو تخلى عنه عند أقرب محطّة... وسافر.

لكن كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ هذا موضوع يطول ولكن باختصار: وجدت الأحزاب العربية نفسها أمام واقع جديد في العقد الأخير، لأسباب عديدة منها التغييرات السياسية والمجتمعية وغيرها، وجاء تشكيل القائمة المشتركة لأول مرة في العام 2015 ليمنح الأحزاب فرصة لترميم نفسها وملاءمة حالها للواقع المستجد. كان الحل الأسهل هو اتّباع نموذج النجومية. أصبح الفرد – الشخص – النجم هو العنوان وليس الحزب. لقد ساروا في الطريق التي انتهجها أحمد طيبي منذ يومه الأول. النجومية والشعبوية والعمل الفردي لا الجماعي، والتنسيق مع اليمين في الكنيست على فتات مواقف. اكتشف منصور عباس وأيمن عودة أن هذا هو الطريق للتعويض عن تراجع مكانة الأحزاب. ابتدع أيمن عودة قصة التأثير والتحالف مع بيني غانتس، فاحترق مشروعه خلال أشهر قليلة بعدما أدار غانتس ظهره للمشتركة وذهب بالتوصية عليه للتحالف مع نتنياهو. جاء الشاطر منصور عباس وقال لست بجيب أحد، لا يمين ولا يسار. واليوم أطلق نتنياهو رصاصة الرحمة على توجه عباس. لا اليمين ولا اليسار يريدونك في جيبه. حاول أن يجري محادثات ومفاوضات للدقيقة التسعين. تنكروا له في اليمين.

حاول النواب الجدد التعويض عن تراجع مكانة الأحزاب بالنجومية والشعبوية والعمل الفردي، لكن تبيّن أن ثمن ذلك هو خطر خسارة المشتركة على مذابح "الإيغو". يحاول أيمن عودة منافسة منصور عباس بأن المشتركة ستعود لتكون "بيضة القبان"، لكن وجود البيضة لا يعني وجود القبان. لا مشترين لهذه البضاعة يقولون في الكنيست.

لقد خرجت الحركة الإسلامية الجنوبية اليوم عن قرار الأغلبية في القائمة المشتركة ولم تلتزم بقرار التصويت مع حل الكنيست. كان منصور عباس هو من أصر أن يشمل اتفاق تشكيل المشتركة الالتزام بالأغلبية داخل القائمة بدل الإجماع، لأنه أراد أن يرضخ التجمع الوطني الديمقراطي للتوصية على غانتس. لقد فعل الشيء ونقيضه ويذهب إلى تفكيك المشتركة ليس لمشروع حقيقي، بل من أجل نجوميته هو شخصيًا وليس من أجل الناس. وأكثر من ذلك، يذهب منصور عباس إلى إحداث شرخ مجتمعي خطير لبناء مجده السياسي الشخصي، حول الحريات الفردية وقضايا الأحوال الشخصية وتحويلها إلى قضايا للمزايدة السياسية. يريد أن يحارب الجبهة والحزب الشيوعي و"العلمانيين" بخطاب يخلق استقطابًا مجتمعيًا خطيرًا تمامًا كما فعل ترامب واليمين الشعبوي في العالم. هكذا فعل رئيس حكومة الهند، مودي، بمجتمعه بهجومه على المواطنين المسلمين في بلاده، لكسب الشعبية بين المتطرفين الهندوس. هل هذا نموذج منصور عباس التسويقي؟ ترامب ومودي؟

هكذا خسرنا ببساطة القائمة المشتركة: النجومية والصبيانية السياسية، ولن نربحها مجدّدًا إلا إذا تخلّينا عنهما بالعمل الجماعي، ولكن قبل ذلك لتسأل قيادة المشتركة منصور عباس: هل أنت جزء من المشتركة وتلتزم بخطها وبرنامجها وتصويت الأغلبية؟ إذا كان الجواب بالسلب، فليمضِ بطريقِه، ولتبقَ المشتركة... الكرة في ملعبه.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص